يس سليمان يكتب: لعنةُ الميلانين.. ما يُملِيه الرّاوي على الروائي

لعنةُ الميلانين

ما يُملِيه الرّاوي على الروائي

مدخل: تظلّ القهوة طيبة ما لم يدلقها النادل على حُلّتك البيضاء، فتتحول إلى لطخة سوداء تثير سخطك فيتبدّل مزاجك وِفقًا لذلك.

هذا هو الإرث الذي وُصِمت به أنيسة عزوز منذ مولدها، ولكنها تنهض من رمادها، تُلمْلِم اِنكسارها، وتقبل على الحياة وهي تأخذ نصيبها المرير من لعنة *الميلانين. إذ لا فكاك من هذا الفخّ، إلا بالوقوع فيه إلى الأبد. ليست وحدها بطبيعة الحال، ولكنها ظلت تمضغ هذا الخبز المحترق في وطنها الأُم، وتقاسمته، بعد هجرتها، مع غيرها من غرباء الذات وأقرباء المنفى وغيرهم من الذين وصفهم نيكول بملاحظته الماكرة: “حملٌ ناتجٌ عن علاقات فرنسا المشبوهة مع الأوطان الأصل”. في تلك الحياة الورقية التي بلغت مائة وست وستين صفحة من معاناة التهميش والخيبات وسيرة الوجع، طرَحت لنا الكاتبة عدة تصوّرات عن هذا الأمر العبثيّ الذي جعلها تكافح في رحلة بحثٍ مضنية عن إجابات لعددٍ مهول من الأسئلة. عندما تخرج اللغة من قُمْقُمِها، وتبادر إلى بذل مكنونات النفس منحازةً إلى سريرتها النقية، عامدة إلى سترها بهذا العُري الصارخ، تتسلل إلى عقلك الأفكار، الأفكار آلاف القنوات، الأفكار جداول مياه جامحة، وعليك أنْ تسيطر عليها وتمنحها بركة التدبُّر ونعمة التمحيص. فهو المنفى، منفى الذات، الأغلال غير المرئية التي توشم روحك بآثارها، وتجعل منها منفضة سجائر، لآلاف العابرين والحمقى. رواةٌ كثيرون لقصٍة يتيمة، تتشظى كل يوم، كأميبا، في حكايات أبناء وبنات الشمس، تمُورُ من خلالها، وهي فاترة، حيوات مركولة، ترهن نفسها دون أنْ تدري لماذا، آخذة في التساقُط العابث، في فخ الميلانين. لهذا تدير وجهك لتلقِّي الصفعة حتى قبل أنْ ينوي أحد صفعك. تغريبةُ ذات لعنة، رهينةً لما هو آت من ذوات لا تعلمها، تسخر منها وهي تصوب نحوهم أوسط *السكارزم وكأنها تهتف: هاكُمْ اقرأوا كتابيا. أو مزقوه، فلو أنه معنونٌ باسمي، فهذا يعني أنّ التوقيع زائف، وأنني لن أسمح لهراء الميلانين أنْ يعيدني إلى غاب الغياب. وهو فضيحةٌ لمن كان حضوره إلى هذا العالم، على متن القطار الوحيد الذي لم يخطط لركوبه. مراراتٌ عجائبية يتبرّج بها النص، أوجاعٌ تتيه في تخايُل المعتدّ بهزيمته، نزفٌ يضمِّد جرحه ذاتيًا، تقدمه الكاتبة بسهولةٍ ويسر، دون الولوغ في عجرفة اللغة وصلَفها الصفويّ، فتتحوّل إلى *باربو Barbeau بلاغي بعيدًا عن المتناول. لأنّ المسألة الإنسانية، تمدّ يدها داخل النص إلى ابناء الشمس، صناع الحياة، فلا يعقل أنْ تعمد إلى عزلهم، مفاهيميًا، عن أفكار السارد، أو *تقْلِيبهم في مناولة الأفكار. نجحت الكاتبة في خلق هذه العلاقة بلا *تعييب أو مطْنَزة، كما يقولون في تونس، تجعلك تتخيلها وهي تكتب وكأنها تُحمِّي *طابُونتها لتصنع خبز *القوقاس في *كوجِينة اللغة، للفقراء والجوعى وابناء السبيل. وللمسحوقين في الأرصفة، في تهويماتهم الذاهلة وهم يتلقّون بصاق الأحذية السميكة وأعقاب السجائر. “الهوية ليست فقط ما ورثناه وهو الثابت، ولكنها أيضًا ما اكتسبناه وهو المتحوّل”. ميلانين صفحة 40

الهوية أمرٌ إختياري، للشخص القدرة على تحديد القافلة التي يرافقها، رغم أنّ المجتمعات، منذ فجر التأريخ، درجت على تصنيفك، وهنا أعني الحطّ من قدرك، بإعتداٍد جهوٍّي تسانده مراٍم تهدف لتمجيد السيّد، وتقييد الآخر المختلف، شكلًا أو لونًا، بقيود التبعية البطريركية أو العبودية الصارخة بحجّة السواد، وهذا فُحشٌ لا مِراء فيه. وبهذه المناسبة، وقعت في غواية النص، حين قرأت خبر فوزه بالجائزة، وطابت نفسي، لأنّ لديّ قصة مع هذا الميلانين، فقد قرأت عنه كثيرًا، ولدي مقتبس من رواية منغولي، حيث أشرت إلى الأمر أنه مجرّد زيادة في الميلانين. “قلت لصديقي الأفريقي ذات منفى، وأعلم مقدار حنقه على الأشخاص الذين يعتبرونه مجرد عبد: لا تبتئس يا صديقي، فإنها مجرد زيادة في الميلانين، أورثتك هذا السواد، تحرر من هذا الأمر وانطلق، ولا تترك للميلانين فرصةً ليعيد إلى الغاب. ليبتسم وهو يلقي بعقدته في مزبلة الميلانين، ويضحك بأسنانٍ بيضاء مثله مثل ملايين السود”. وهذا ربما يعيد تذكيرنا بأغرب القضايا التي كان بطلها مراهق أمريكي. فقد قام المدعو أنطوني دويت قبل سنوات، ولست متأكدًا من صحة هذه الحكاية، برفع دعوى على والديه، واصفًا إياهما بالأنانية، لأنهما عندما أنجباه، كانا يعلمان أنه سيولد أبيض، فطالبهما بالتعويض، لأنه يريد إجراء عملية لتغيير لون جلده. وقال للصحفيين: “عندما كنت صغيرًا كنت أقضي ساعات طوالًا في الحمَّام محاولًا غسل البياض عن جسدي بلا فائدة، ألا يوجد في هذا الكوكب ما يكفي من البيض؟! ألم نسبِّب لهذا العالم ما يكفي من المعاناة والعنصريَّة والقمع؟”. بهذه الطريقة تتداعى الكاتبة في غواية النص، فهي تتشبّث بلغٍة شاعريٍة تشاغب الروح بشقاوٍة منذ استهلاله، وحتى تسدل الرواية أستارها في مدينة رمادة التونسية، حيث عاشت أنيسة عزوز طفولتها البائسة. وعبر هذه السمات الشاعرية الرقيقة، يتعرف القارئ بيسر، على بدايات الكاتبة، وأي الضروب الأدبية كانت مفتاحًا لمغارتها السرديّة، التي جمّلت لنا قبح هذا الواقع، ولعلها تتمثّل قول اميل سيوران: “ما دُمنا على سطح كوكبٍ يُؤلِّفُ مرثيّتهُ، فليكن لنا من الحياء ما يكفي كي نتصرّف كجثث لطيفة”.

لهذا يعتبر، فوزنا _ كقُراء _ مع الصديقة التونسية فتحية دبش بجائزة كتارا، عن روايتها الأولى ميلانين، بمثابة ابتسامة سمراء في عبوس العالم الواقعي، وتزيين بارع لتشوّهات الواقع السردي، الذي قدم لنا عددًا من التجارب المكرورة المملة. وهذا انتصارٌ مهمٌّ لجميع الأسئلة التي طرحتها رواية ميلانين. في بحثها عن الذات والحب بضرْبِه الملائكيّ الجميل الذي يفضي إلى زواج الحبيبين، وليس ذاك الذي وصفته بقولها: “الزواج هناك لا يحتاج إلى الحبّ، بقدر ما يحتاج إلى العذرية. الحبّ يا أنطوانيت، هو مسألة غربيّة، وهوس أوروبيّ، وأما الزواج فهو مسألة شرقية، والعذرية ليست مسألة شخصية على الإطلاق، بل هي أبعد ما يكون عن ذلك، وأنّ الأنثى ليست إلا حارسة لتاج العرش المخبوء بين فخذيها. فأذا أبتلى القلب وأذنب، فلا بدّ من التعجيل بوأده قبل أنْ يذنب الجسد”. صفحة 134. رواية ميلانين تعتبر أُحفورة أدبية عميقة في جيلوجيا الذات والهوية، وتنقيب صبور في أعماق إنسان الهامش *والرّاكاي والمسحوقين من زمرة *الوصفان *والشوّاشين، على حسب وصف الكاتبة. جميعنا منفيون إلى تغريبٍة ما، أرِقَّاء في زنزانة الهوية، ولكننا نعثر بطريقٍة أو بأخرى، على القدرة التي تحرِّرنا.

تمنح الكاتبة، الراوي العليم مهمة السرد في أحايين كثيرة، وتُجنّد شهودها من السرّاد الآخرين، دون إخلال أو ترهّل في بنيوية النص، وأحيانًا ترينا المشاهد التي تريدنا أنْ ننتبه لها، على طريقة شعراء النثر الحديث. إذ تمتلك الكاتبة حيلة سردية ماكرة فتشرك القارئ المُنشَدِه أمام مرآة التفاصيل في الحكاية، وتنصِّبهُ ساردًا مشاركًا، يتولى مهام تفكيك العقد وطرح الأسئلة والبحث عن الحلول. وبهذه البساطة المعقدة، استخدمت المتاح لديها من تقنيات الرواية الكلاسيكية، الأمر الذي خلق لنا عالمًا سرديًا محكمًا، عايشناه من خلال رواية ميلانين. ومن المشاكل التي تواجه السارد، أنْ تكتسب الأصوات قدراتًا تعبيرية، أعلى فكريًا من مستوى الشخصية داخل النص، ليست لدي مشكلة في هذا، لأننا نخطئ حين نميّز الشخصية بقدرتها على التعبير عن مكنوناتها بلاغيًا، بمعنى تحدث حتى أعرفك، ولكن لا، لسنا في مهرجان خطابة، فلدى بعض الشخصيات قفزات فكرية هائلة، ولكنهم، تعبيريًا، لا يجيدون الإفصاح عنها بالشكل الملائم لمتلٍق آخر من درجةٍ يظنها أعلى، فيمارس القوامة على من سواه. على سبيل المثال، بعض الشعراء لا يجيدون إلقاء أشعارهم، وقد تكون أشعارًا بالغة الجودة. فليس من الحكمة تغْبِيش وعي الشخصية الروائية حتى لو كانت متواضعة فكريًا في عالٍم مواز، فمن مهام الراوي، استنطاقها، وأنْ نفهم ما يدور في عقلها. لهذا فهمتْ سرّ لعبة الميلانين وأنا لم أبلغ من سكرة القراءة البِكْر، عشرون صفحة. فقلت: مهلًا، فما زالت هناك عدة أمور خافية، وقد كان وقد كان. *باش نقولك ستي فتحية: هذا الإحتطاب جديرٌ بهذه الشعلة التي تراقصت جذْوتها، فمواجهة الألم أضنى من كبحه، وأشقّ من تعليبه في دفتر ملاحظات، قد يفضي فيما بعد إلى فضيحة سردية بديعة مُسَتّفة بخيبات المجتمع، ولكن تشفع لها، بالتأكيد، انتصارات الذات على همجية التصنيفات المصنوعة مسبقًا. وفي هذا المضمار تلهث أسئلة الكاتبة، وتصبح علاقة الراوي مع شخصياته يشوبها بعض الغموض، هل هي متساوية؟ نزيهة؟ أم يحق للسارد أنْ ينصّب نفسه حاكمًا بسلطاتٍ واسعة، أي بإمكانه أنْ يجنّد مخبريه السريين لجمع الأدلة والتلصّص الغيبيّ على شخصياته. ولعل من أهم شروحات رولان بارت، ضرورة أنْ يكون صاحب الصوت السردي بمعزلٍ عن الكاتب. وبالتالي يخلي طرفه من المسؤولية التي تقع على كاهل الشخصيات والأصوات الموجودة داخل النص.

حريٌّ بي التعامل مع النصّ كنسق إنساني، لا كحالة سيميائية بنيوية، تفرضها الدراسات النقدية الصارمة. بهذه البداية للكاتبة فتحية دبش، دعيني أقول، لا أشك أنّ *أمورك باهية، ولكنها تضعك في تحدٍّ أشقّ من سابقه، فلن يرضى أحد بأقلّ من هذا المجهود الذي بذلته لنا، وتركت حبّاته *تُخرْخِط كمسبحة مباركة من الكلمات والأفكار والأسئلة. وتتنامى داخل النص الأفكار الوجودية عن الحياة والهوية وتنسحق بعض الإيمانيات تحت قضبان الأسئلة الوجودية، والمحاكمات تطال الجميع، المشاركون مباشرًة أو غيبيًا. ولأنها خبرت السير في هذا الحقل المُلغَّم، لهذا أظنها تتفق معي في قولي: “على الكاتب أنْ يختار العبوة الناسفة التي يقدر على تفكيكها”. ولكنها بارعة ولديها القدرة على صياغة السؤال الذي يجعل القارئ يتعجب ويهتف: “يا إلهي لقد فكرت في هذه المسألة من قبل ولكني لم أعرف أنها بهذه البساطة”. فهي تقدم لنا تلخيصات حاذقة لأموٍر بالغة التعقيد. بهذه الشراهة التي ورطت نفسها فيها، أشفق عليها في مشاريعها القادمة، فالقُرّاء أكثر شراهًة وتربُّصا، ولن يرضون بأقلّ من هذا المستوى.

ولأنّ فتحية دبش بدأت مشوارها من الرقم واحد: “عليها أنْ تناضل من أجل الوصول إلى الصفر”. لا أريد الكتابة أكثر، ولكن أقول على لسانك: دعيني أُقشِّر في غيابك الصمت لعلي أجد تحت كلّ قشرة حرفًا أستدلّ به علي، دونك أنا والعدم سيان!

مخرج: عنصرية الرجل في الضفة الأخرى، تشابه أخلاق طير النورس. في بلادنا نتغنى بهذا الطائر اللعين، لأنه لحسن الحظ لا يزورنا، وهو في الواقع، لصٌّ يختطف خبز المصطافين، وقاتلٌ متسلسلٌ للحمامات.

رؤية: ياسين سليمان كاتب روائي سوداني

أوسلو النرويج أبريل 2021

Yaseensuliman1@gmail.com

هوامش:

*الميلانين عنوان الرواية الصادرة عن دار ديوان العرب، التي توِّجت بجائزة كتارا لدورة 2020، وقد قام تدقيقها لغويًّا نجاح العالم السرطاوي، أما الغلاف فهو من تصميم محمد وجيه. والميلانين بشرح علمي هي المادة التي تفرزها الخلايا الطلائية في جلد الإنسان، وهي تحمي خلايا الجلد من الأشعة فوق البنفسجية. وهي المادة المسؤولة عن تحديد لون بشرة الإنسان، وهذا ما يهمّنا في تناولنا لهذا السِفْر.

*السكارزم أي التهكّم.

*باربو تعني المتعجرف بلهجة أهل تونس وهي مأخوذة من الفرنسية.

*راكاي تعني حثالة المجتمع أو الرعاع.

* باش نقولك أي سنقول لك.

* تعييب أو مَطْنَزة بمعنى ركاكة وبلادة في لهجة تونس.

*تقْلِيبهم تعني الإحتيال والنصْب عليهم.

* الوصفان والشوّاشين أي العبيد.

*طابُونتها أي الفرن الذي يصنع فيه الخبز البلدي كالقوقاس وغيره.

*الكوجِينة أي المطبخ.

*تُخرْخِط بمعنى تتداعى.