سر العبور والانتصار

تخاطر

خالد علي

سر العبور والانتصار

ربما الصدفة وحدها هي التي قادتني لمجالسة عدد لا بأس به ممن هيأ لهم الله نعمة النجاح وأسبابه ، في مختلف المجالات سواء داخل السودان أو خارجه ، وتأخذ المواضيع بعضها بتلابيب بعض ، وتجدني دوما ودون أن أشعر أمارس هوايتي في  الاستفادة من تجارب الآخرين ، عبر دردشة سلسة يجد فيها جليسي نفسه مستدرجاً ومستمتعاً باجترار ذكرياته عن البدايات ومتعرجات رحلته ، مثبتاً عينيه في خط الأفق ، وكأنما يحكي عن أحداث حياته من شاشة مثبتة أمامه. والمدهش في الأمر أن هنالك تشابه جدا كبير  بين تلك القصص وان اختلفت في التفاصيل إلا أنها لم تخرج عن ثلاثة دوائر متقاطعة ، أردت أن نتشاركها لعل وعسى أن أفي بمستحقات زكاة المعرفة التي اكتسبتها من غير قصد.

تلاحظ لدي أن معظم جلسائي يتمتعون بقدر من الذكاء ومهارة في طرائق التفكير الأفقي ، التي بدورها تمكنهم من خلق فرص لأنفسهم فتجد الطبيب قد أبدع في الزراعة ، والمهندس قد انغمس في التجارة ، وأن الأمي قد أفاد واستفاد من التعليم، وأعتقد أن الذكاء عموما بأنواعه المختلفة خصلة كامنة في دواخل كل منا ، ويتم تنشيطها حسب الحاجة والوجهة التي نحددها لأنفسنا،  وعليه والله أعلم فإننا متساوون في مقدار الذكاء المتاح ، ومختلفون في طريقة ومقدار الإمساك بزمام المبادرة ، وأبرز من يتمتع بتلك الخصال على وجه البسيطة هم اليهود ، مسلحين في ذلك بالتعليم والتخطيط بعيد المدى ، والصرامة في تنفيذ تلك الخطط، إلا أنهم يمتازون ببناء أمجادهم على أنقاض الآخرين، فتجدهم تارة يعلنون عبر حملة إعلامية شرسة عن أزمة مالية عالمية ، ترغم المستثمرين على بيع أسهمهم في شركات المساهمة العامة ليقوم بشرائها منسوبيهم بأبخس الأثمان ومن ثم تجد رويدا رويدا أن الحديث عن الأزمة المالية قد اختفى من شاشات القنوات الإخبارية. وينعم اليهود بتحقيق ثروات طائلة دون عناء، وتارة أخرى يخلقون بؤر توتر وحروب بعناية هنا وهناك يسيطرون بها على كل بقاع العالم التي تتمتع بثروات طبيعية جاذبة،  ومع ذلك نجد أن تفاصيل حياتهم كدولة أو كأفراد يسودها القلق والخوف من المستقبل، الشيء الذي يقودنا للدائرة الثانية.

وجدت أن هنالك متطلبات دعنا نسميها رأسية ربانية للمحافظة على صفة النجاح منها الطلب (المستمر) للعلم ، ومراعاة الله عز وجل  في كل حركة وسكون أثناء رحلة النجاح، وإن أخذنا فئة الناجحين ماديا فنجد أنهم تحروا الحلال في كسبهم ، واتقوا الله في إنفاقهم وظل هانئاً من آثر على نفسه بالرغم من أنه كان به خصاصة، اشترك معظم محدثيّ من فئة الناجحين في مجال اكتساب المال في خصلة الإنفاق، فوراء كل قصة ثروة عظيمة قصة إنفاق عجيبة ، بدأت من القليل وتنامت بصورة مذهلة لتعبر بصاحبها ومن حوله بتسلسل غير منطقي للأحداث حسب إدراكنا البشري المحدود. لذا تجد من يلتزم بآداب تلك الدائرة يعيش في سلام  وتصالح كبير مع ذاته ، والمجتمع من حوله على عكس القلق اليهودي عاليه، وتجد أن (البركة) قد حلت في ذريته فلا تجد فيهم شقياً أو محروما ، مما يقود لإدراج اسمه بإذنه تعالى مع بني آدم الذين لم ينقطع عملهم بعد مماتهم. 

أما إن دلفنا للمتطلبات الأفقية لرحلة النجاح التي تعبر عنها الدائرة الثالثة، اتفق جلسائي على أنه يجب على الناجح أن يراعي حقوق المتعاملين معه أثناء مسيرته الظافرة كل في مجاله، فيجب ألا تحدثه نفسه قط باستخدام حق الآخر (دون علمه) للاستفادة منه في أي من المجالات سواء علمية أو عملية أو أدبية ، فإن تلك الخطوة وعلى حد خبرتهم التراكمية في هذا المضمار سوف تورد الفرد مورد الهلاك في كل الاتجاهات ولابد من أن يفتضح أمره مع كل المتعاملين معه. وقد أجمع أكثر من محدث لي ولا أدري مدى صحتها من وجهة نظر شرعية ، بأن هضم حقوق الغير بالباطل أخطر وأضل من التقصير في المتطلبات الرأسية إن جاز التعبير.

لذا يجب علينا عدم الركون لحالة اليأس التي تجتاحنا كأفراد  والتشرذم والتشظي الذي نعاني منه دولتنا السودان و أن نتلمس و نطرق أبواب النجاح المختلفة لعل و عسى.