نقص في هرمون التميُّز

نقص في هرمون التميُّز

نعاني وبشدة نحن كأمة سودانية من عدم تمتعنا برموز عالمية تكون محل احتفالنا ومحاور نلتف حولها ونتفاخر بها بين الأمم ، و بالتأكيد منذ أن تخلقنا كشعب في هذه الرقعة الجغرافية ذات الطبيعة والتضاريس والإثنيات المتنوعة، ومن ثم انفتاحنا على مجتمعات خارجية عبر فترتي الاستعمار والتجارة، فلابد من ثراء هذا التعداد السكاني الذي تعاقب على هذه المنطقة منذ أن دبت فيه أوصال الحياة ، بخامات إبداع وتميز إن وجدت الرعاية والاهتمام لرسمنا طريقنا إلى العالمية وحجزنا مقاعدنا بين الأمم.

خلط الأمور عندنا يُضيع علينا كثيراً من مكتسباتنا ، ونفقد على إثره بوصلة اتجاهاتنا التي يجب أن نسير عليها، فإن حدثتنا أنفسنا بحصر الأسباب الأساسية التي ساهمت بقدر كبير في وأد مهارات مبدعينا في مهدها فسوف لن يتردد أحد بالإشارة بأصابع الاتهام لطريقة التربية الخاطئة المبنية على محاولة استنساخ صورة طبق الأصل من المُربي، والخلل الكبير الناتج عن عدم تواصل الأجيال والذي يأخذ في بعض الأحايين طابع التنافر، فسلسلة المعارف في شتى المجالات لدينا منفرطة العقد مما يهدد إمكانية تراكم الخبرات التي تشكل وجدان وتوجهات الأمم ، فكل جيل عندنا يبدأ من الصفر وغالباً ما تكون بداياته بلعن الأجيال التي سبقته والسخط عليها وصب جام غضبه على ما خلفوه لهم من خواء، ونظل ندور في تلك الحلقة المفرغة والعالم من حولنا يتطور ويذهب بعيداً في تقدمه.

ضعف العملية التعليمية تمثل ركناً أساسياً في هذا المضمار، فلنبدأ بميزانية الدولة المخصصة للتعليم، سنجد أنها الأضعف من بين دول العالم من حيث المبلغ الكلي والنسبة من الموازنة العامة ، وندلف للمنهج والذي يمكن أن نؤلف فيه مجلدات عن  ضعفه وعدم تناسقه ووضاعة لغته وإفتقاره للأهداف والرؤية والغاية وعزلته عن احتياجاتنا نحن كأمة والكثير المثير عنه والذي إن استرسلنا في الحديث عنه سيتقيّأ جميعنا، أما المعلم والذي يجب أن يكون الأعلى دخلاً بين المهن والأسمى تدريباً والأرفع مكانة، نجده يتأرجح مابين مطرقة أخلاقه المهنية وسندان حوجته المادية، والأدهى والأمر أنه وفي الآونة الأخيرة تحولت العملية التربوية والتعليمية برمتها إلى عملية تجارية بحتة، فبالتعليم الهادف تبنى الأمم وكيف لا وأول ما ورد في القرآن الكريم على لسان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كلمة (إقرأ).

 ثالثة الأثافي في عدم إطلاق العنان لإبداعاتنا ومهاراتنا حتى تبلغ العالمية، يكمن في بعض عاداتنا وتقاليدنا كمجتمع مترابط ، ومن سلبيات ذلك الترابط تنمية المخاوف من الشماتة التي سوف تسير بها الركبان في حال الفشل، ومن المتعارف عليه بأن اعتراك المخاطر جزء مهم جداً في اعتلاء منصات التمُيز، وأكثر من ذلك يخيف بعضنا البعض من الإصابة بالعين والحسد والتي ورد ذكرها في القرآن وأنها حق ونشدد على كل موهوب ومبدع أن يتكتم على ما حباه الله به وإلا سوف يحدث ما لا يحمد عقباه ونتبرع بقسط وافر من القصص التي تعمل على ترهيب المبدع إن هو تمسك بصقل وإظهار مهاراته على الملأ، ونتكاسل عن تحفيز وتذكير بعضنا بالتحصينات اللازمة ومداومة قراءة القرآن لتجنب تلك المخاطر. وفي بعض الأحايين حياء المبدع أو الموهوب نفسه يضيع علينا فرصة تزكيته، فحقنا في الاحتفاء به أهم من واجبنا في التكتم عليه ومراعاة حقه في التواضع،  ونتميز كمجتمع بالكثير من السمات السالبة المثبطة للهمم والتي تصيب طموحاتنا في مقتل.

 دعونا ننطلق !