يس علي يس يكتب: مصطفى.. تعزف سلاماً يا بلد..!!

• و”كل العصافير التي تعرف تماماً مصطفى.. تعزف سلاماً يا بلد.. ذاك اللي حباك اختفى.. “، كان مصطفى بصيص الضوء، والنفاج الذي يتسرب منه أوكسجين الحرية في ظل الكبت العنيف، ومصادرة الحناجر والأصوات، كانت أغنياته ترسم فجراً في كل ظلمة، وألحانه تغازل الدم في الأوردة، وتمنح الحياة لليباس من حولنا، ونحن نتسنم أغنياته، ونتحسس الطريق في “عمانا” الذي تفرضه العصابات، ونبتسم رغم الوجع والقهر، وندرك أن الصباح آت، طالما أن هنالك صوت يحدو المسير من دوحة العرب، صوت موجوع وموجع، مهموم بالوطن والناس والتراب والغلابة، كان صوت مصطفى سيد أحمد..!!
• كان مصطفى، العكازة التي يتوكأ عليها المساكين الذين أعلن الانحياز إليهم منذ صرخته الأولى، ومنذ أن صدح صوته مغنياً، كان مصطفى ناقداً ونقاداً، شاعراً رقيقاً وثائراً كأنه الريح، ظل ينفخ من منفاه نار الثورة ويغذي أوراها، ويبني الحلم الآتي من أقبية الخفايا، ويغني للبت الحديقة، ذاك الحلم الذي ظل يراوده ويدغدغ أحلام شعرائه الذين اختارهم بعناية، فشكلهم وشكلوه، وبناهم وبنوه، حتى أصبحوا أيقونة النضال الصادق، والجهاد الكبير ضد الطغاة ولأجل المستضعفين..!!
• كان مصطفى يناجي الوطن الحبيبة، والحبيبة الوطن، لتكون “يا سر مكتوم في جوف أصداف” مساحة للإبحار ما بينهما، ولغزاً أنيقاً وبيناً نسج شعراً، وحيك لحناً، وقدم أغنية لا تملك حيالها إلا أن تمضي باختيارك صوب الشارع مزهواً بالحماس، ومملوءً بالثورة، حتى وإن كان الرصاص ملء السمع والأبصار، فالأغنية عند مصطفى “مظاهرات” لا تعرف التراجع، وقيم وأهداف ومباديء لا تعرف التردد ولا التراجع..!!
• مصطفى الذي وصفه كل من عاشروه بالهدوء، كان يحمل هذا الوطن بين أضلعه، لا يكاد يفكر في جديد إلا وكان هذا التراب جزءً منها، فله في كل فكرة “زكاة وطن” يدفعها راضياً وكأنه كان يعوض رحيله القسري وبقائه بعيداً عن ود سلفاب والخرطوم بهذه “الزكاة” ، لذلك كان يغني وترى المليون ميل مربع حين كانت على زجاج نظارته..!!
• هل رأيتم الحزن يوماً يظهر على زجاج نظارة..؟؟
• النظارة يستخدمها الكثيرون من أجل إخفاء المشاعر والإنفعالات، ولكنها فشلت مع مصطفى حين غنى “ولا في إيدا جواز سفر” تلك التي أبدع فيها ابن حليوة البار “القدال” وزادها مصطفى بريقاً باللحن والأداء، لتكون الأغنية جواز سفر لتلك العصافير الحانية لتدخل كل مكان بلا استئذان..!!
• مصطفى الذي شكل ثنائية رائعة مع كل شاعر غنى له، كان يتوج كل شاعر بالجمال، ويقدمه للناس، ولعل حميد بكل قامته وألقه وبريقه، وجد في شمس مصطفى ما يجعله صباحاً جديداً ليكون بدوره “تمرقي صبوحة للجيران قدح فوق إيد وفي إيد المي”، وكأننا مثل “شفع العرب الفتارى .. البيفنو الشايلها إيدن ويجرو بارين القطارة” نجري خلف مصطفى سيد أحمد ونتلقف كل جمال، فلا هو ينضب ولا نحن نتعب حتى بعد رحيله بسنوات طويلة..!!
• مصطفى اختار مدرسته لوحده ثم طفق يختار شعرائه وأغنياته منهم، يظل ينقب كل حرف، وكل فكرة، حتى قدم الرومانسية في أبهى صورها والرمزية كأجمل ما يكون، وتنوعت مدارس غنائه ما بين الوسط والشمال ليصبح ملكاً متوجاً بكل الإيقاعات الرائعة، ويكون مصطفى سيد أحمد الذي عرفه الناس، عبقرياً بجدارة، وسامياً بتواضع، وبسيطاً كرسول..!!
• وها نحن نقف بعد سنوات طويلة في هذا المقام، نتذكر كيف كنا نتلقف مناداته تلك “يا بت يا نيل”، ثم تملأنا الأماكن بالإلفة ونملأها بالضجيج، ونهدي الوطن ما بين الضلوع..!!
• وذاك جيل قاوم فكرة اليأس والانتحار بأغاني مصطفى، وظل ينتظر هذا الشروق في عز العتمة، وصنع هذا الصباح الجديد من خيوط شمس “وضاحة” وعلمي عيوني السفر” وحاجة فيك” “وواقف براك” و”عز المزار”، وآخر شعاع” و”البت الحديقة” ، غرقت في ضو النهار”، وغيرها مما بنى به مصطفى الوجدان السليم للثورة السودانية..!!
• رحل مصطفى وهو يوصي على الوطن، وتراب الوطن..!!
• وها نحن الآن نعايش “صحو الذكرى المنسية..!!
• مصطفى.. مساحات الأسى الفي عيونّا تتفجر مدينة وناي..!!
• اللهم اغفر لي ولوالدي.. ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً..!!
• أقم صلاتك تستقم حياتك..!!
• صلّ قبل أن يصلى عليك ..!!
• ولا شيء سوى اللون الأزرق..!!

مصطفى سيد احمد