“أبو السيد”..ربع قرن من الحزن النبيل

خبرك: محاسن أحمد عبد الله

يُحيي محبو الفنان مصطفى سيد أحمد، اليوم الأحد الذكرى الخامسة والعشرين، لرحيله عن الدنيا، بعد معاناة مع الفشل الكلوي الذي أنهكه لكنه لم يمنعه الاستمرار في تقديم الروائع التي ما زالت خالدة، مصطفى الذي ينتمي لأسرة فنية حيث كان شقيقه المقبول (رحمه الله) فناناً، هو حالة فنية استثنائية نادرة ومختلفة في الغناء السوداني من حيث النصوص وتراكيب الجمل اللحنية واللونية التي تحمل في طابعها الصدق والشجن وتتضمن رسالة ثورية ووطنية وعاطفية عميقة كانت سابقة لأوانها في ذلك الوقت.

جمع الراحل أنواع عدة ومختلفة من الفنون فقد كان ملحناً بارعاً وتشكيلي ورسام وعازف بجانب مهنته كمعلم، وتعامل “أبو السيد” مع أكثر من ٦٠ شاعراً من بينهم الراحل محمد الحسن سالم حميد وصلاح حاج سعيد وهاشم صديق ومحمد طه القدال ويحي فضل الله وأزهري محمد علي ومدني النخلي وآخرين.. وله رصيد من الأغنيات يفوق الأربعمائة وخمسون عملاً.. في المساحة التالية يستعرض “خبرك” بعض الملامح من مسيرة مصطفى على لسان بعض ممن جمعتهم به علاقة مميزة وعاصروه وتعاملوا معه في عدد من الأغنيات، فإلى ما قالوا.

أزهري محمد علي: لديه أعمال وألحان تم تسريبها قبل اكتمالها

يقول الشاعر أزهري محمد علي عن مصطفى: ما قدمه الفنان الراحل مصطفي سيد احمد من مشروع متكامل يعتبر حالة استثنائية خاصة اشتعلت جمالا وخرجت بين الناس على مستوى الأحوال والأفعال وكانت المسافة قريبة بين عمله وحالة سره الصدق هي التي صنعت القبول بين الناس ،هو فنان مثقف أسهم في إعلاء قيم الإعلام الجمعي والاستنارة وخلق حالة من الدهشة لسنوات وبمشروعه الغنائي فتح روحاً جديدة في الغناء والتراكيب اللحنية التي وجدت القبول عند الناس، تعاملت معه في مجموعة من الأغنيات وكان هناك عمل آخر بعنوان (بس تصور) لكنه لم يخرج للناس لأنه كان وقتها مفتون بأغنية (الأمان) وكان اللحن متشابه..كان مشروعه منفتح على تجارب الآخرين ويقبل الإضافة وكان متجذراَ في الغناء السوداني بتجربة تقييمها لم يأت من فراغ ولم تغلق أبوابها أمام الآخرين، وتعامل مع عدد كبير من الشعراء وكثير من الأغنيات التي غناها هي مشروع ألحان في كاسيت لكنها تسربت قبل أن تكتمل رؤية مصطفى لها من حيث اللحن..الآن تمر ذكرى يوبيله الفضي وسنحتفي به حتى اليوبيل الذهبي والماسي، ندعو له بالرحمة والمغفرة والقبول لمقامه العالي ويجعل البركة في أسرته وابناءه.

مدني النخلي: أصغى للتجارب التي سبقته

مدني النخلي تحدث عن بدايات سيد أحمد، ومدى إدراكه لما كان يحدث قبله، فقال: بدايات مصطفى سيد احمد أطالت الإصغاء لما قبلها من تجارب لمحمد وردي وأبو عركي البخيت وغيرهما، وإن كان ردد مصطفى بعض أعمال وردي والنور الجيلاني وأحمد المصطفى كتقليد متعارف لكل فنان بدأ الغناء وكان مصطفى يصطحب معه التزامه تجاه قضايا الوطن وإنسانه وسرعان ما بدأ مشروعه الغنائي الفني وهو ملم بضروب أخرى ككتابة الشعر والرسم والعزف والتمثيل في بداياته.

رغبة في الدراما

وحول أمر التمثيل، هناك إفادة الموسيقار محمد سراج الدين حول رغبة مصطفى في الدراما عندما كان في فترة التدريس في كورس ونصيحة سراج الدين لمصطفى بأن يغني كانت محفزاً لاستمراره في الغناء، ويقول مدني: كان سراج محقا لأن مصطفى جاء من أسرة فنية عرفت الغناء مبكراً ومنها المقبول شقيق مصطفى رحمه الله والذي كان معروفاً بقوة الصوت وجمال الأداء.

إصرار وتحدٍ كبير

وتابع النخلي: إصرار مصطفى على البحث عن صور جديدة ومضامين مختلفة للنص الغنائي وضعته أولا أمام تحدٍ كبير وبداية لم تتناسب مع السائد في السبعينيات ولجان النصوص والألحان آنذاك لذا اصطدمت محاولاته بالرفض للنصوص وبعض الألحان وعجز الملحنون عن مجاراة ميول مصطفى الجديدة وبحثه عن الحان تتناسب مع الأغنيات الرمزية المنسجمة مع وعيه وتفكيره لذا أعيدت له عدة أعمال لم تتناسب مع ملحنين حاولوا إخضاعها للحن التقليدي وفشلوا، منها أغنية (وجيدة) لقريب الله محمد والتي بعد إعادتها لمصطفى قام بوضع لحن لها وقدمها بالاوركسترا، كما أن الأغنيات الملتزمة تجاه الإنسان البسيط وأحلامه وتطلعاته كانت الشغل الشاغل والهم الكبير لمصطفى، والصعب في معادلة توصيل هكذا غناء لمتلقي تعود على أغنية خفيفة راقصة مهد الطريق لها إسهام من سبقوا مصطفى كما ذكرت وردي ولا يمكن تجاوز أبو عركي البخيت الذي ظل يقاوم ويناضل متمسكا بالتراب الغالي وينسجم مع أطروحات مصطفى وكنت أعلم بتواصل عركي مع مصطفى فترة الدوحة ومتابعته له بقلق وهو يعاني ظرف الفشل الكلوي.

مصطفى ومدني

احتلال مكانة

واختتم الشاعر المخضرم حديثه عن تجربة “أبو السيد”: والمطمئن أن أغنيات مصطفى الآن تحتل مكانها في قلوب أولادنا  الببقوا أفراحنا البنمسح بيها أحزان العمر، حفظوها عن ظهر قلب في كل مدن الشوارع وتوزعوا في الأسافير يتبادلون الأغنيات ويتمعنوا مضامينها دون استئذان من لجان أو قيود لأن مصطفى معلم ومربٍّ خاطب الناس بمسؤولية وغنّى بوعي وجسارة وظل في حياتنا صوتا يتجاوز حدود الرحيل والغياب.