الحوت في سطور “من المهد إلى اللحد”

خبرك: محاسن احمد عبد الله

من 1967، إلى 2013، عاش الفنان السوداني الأبرز، محمود عبد العزيز، عاش بين تلك الأعوام بكافة ما يدور حوله من إبداع وصخب وعطاء ومواقف وإنسانية، ليغادر في النهاية، ولكن بجسده فقط، فحتى الآن، وعلى الرغم من أن ذكرى رحيله هي الثامنة، ألا أن التعلق به والحديث عنه، وجماهيريته، لم تنقص قيد أنملة، بل ظل “الحوت” يكتسب أراضٍ جديدة يوماً بعد يوم، رغم أنه انتقل بجسده لتحت الأرض، وبروحه للدار الآخرة، “خبرك” يُحدّث عن محمود منذ الميلاد والبدايات وحتى تفاصيل رحلة المرض ثم الوفاة، ويستعرض سيرته في سطور “من المهد إلى اللحد”.

1

ولد محمود عبد العزيز محمد علي بن عوف بمستشفى بحري يوم الاثنين  ١٦/١٠/ ١٩٦٧، فيما نشأ وترعرع في حي المزاد العريق ببحري، تربى وسط عدد  الإخوة والأخوات وهم (مأمون، سهام، إلهام وسام) وإيهاب الذي توفي قبل سنوات طويلة إثر حادث حركة بالمملكة العربية السعودية.

والدته هي فائزة محمد طاهر، التي عملت في المجال السياسي إبان حكومة نميري  بالاتحاد الاشتراكي والعمل الطوعي ولديها نشاطات مختلفة.

محمود وهو طفل

2

عاش محمود عبد العزيز طفولة كانت تضج بكثير من الأحداث التي كانت بمثابة  مؤشر لما سيكون عليه في مستقبله، كان متواضعاً وكريماً وعطوفاً إلى جانب  ذكائه الذي فاق عمره وشقاوته وسرعة بديهته.

كان من ضمن الطلاب المنتمين للكشافة البحرية وقتها قلده الرئيس السوداني  الأسبق المشير جعفر نميري وشاحاً أثناء مشاركته في أحد احتفالات الكشافة  البحرية تشجيعاً ودعماً لموهبته وجدارته.

عاش محمود طفولة عادية إلا أنه كان مميزاً بين أقرانه، كان يحب التمثيل لأنه كان يتمتع بموهبة وشجاعة إلى جانب حبه للفن التشكيلي الذي ظل يمارسه  داخل صالونه حتى قبل وفاته وكان لاعب كرة قدم ولديه صداقات كثيرة مع نجوم الكرة، وكان مشجعاً لنادي المريخ شارك بالغناء في  كثير من احتفالاته ومهرجاناته ودرامياً قدم عدداً من الأعمال برفقة ممثلين كبار.

شارك في برنامج (ركن الأطفال) في الإذاعة ثم (جنة الأطفال) بالتلفزيون القومي. وكان في الدفعة الثامنة بقصر الشباب والأطفال، درس على يد الممثل محمد عبد الرحيم قرني  وحامد جمعة، عندما كان طالبا بقسم الشباب والدراما.

3

في العام ١٩٨٧ التحق محمود عبد العزيز رسميا بمركز شباب بحري وبدأت رحلته  الفنية.

وهناك التقى بالموسيقار الراحل عبد الله الكردفاني وعبد الواحد البدوي وإبراهيم أبو عزبة وآخرين.

أسهم الموسيقي إبراهيم أبو عزبة كثيراً في بدايات محمود وقدم له أحد الألحان إيماناً بتحربته حيث أخذ بيده وأتاح له فرصة الظهور للغناء في عدد من الحفلات والمسارح التي يحييها كبار الفنانين.

واجهته صعوبات بمركز شباب بحري لأنه اختط لنفسه مدرسة جديدة بكلمات وأسلوب مختلف في الغناء.

سافر محمود إلى الأبيض وعاش فيها عامين وقام برعايته عدد من الأساتذة بفرقة  فنون كردفان.

4

أخذ بيده الفنان صلاح بن البادية حتى أنه عاش فترة طويلة في منزل ابن  البادية واستفاد منه كثيراً بعدها غادر المنزل وبدأ يشق طريقه الفني الذي  كان مليئاً بالعثرات والتحديات التي واجهها بشراسة حتى استطاع تكوين قاعدة  جماهيرية كبيرة والملاحظ أنه بدأ باغنيات الكبار أمثال محمد أحمد عوض وصلاح  مصطفى والهادي الجبل ومحمد ميرغني وغيرهم بالرغم من صغر سنه واستطاع أن  يجذب إليه الجمهور بغنائه للحب والجمال والمقهورين.

5

تزوج محمود عدة مرات وأغلبها لم يكتب لها الاستمرارية وله عدد من الأبناء  ولكن أشهرهم التوأم (حاتم وحنين) وذلك لظهورهما الدائم معه في العديد من  الحفلات.

كانت علاقته مميزة مع أبنائه وحوت كثيراً من التفاصيل من بينها الاحتفاء الدائم بهم في حفلاته وتكريم الناجحين منهم.

6

كون محمود في بداياته فرقة (النورس) وهي إحدى الفرق التي لازمته سنوات في  بداياته وساعدته كثيراً في الانطلاقة بقوة في أواخر الثمانينيات وأوائل  التسعينيات قبل انشقاقها وتكوين فرقة (البعد الخامس) وانضمام عدد من  الأعضاء القدامى لها.

7

خلال فترة وجيزة استطاع محمود إنتاج مجموعة كبيرة من الألبومات الغنائية  حتى أصبحت تتنافس عليه شركات الإنتاج الفني.

أشهر البوماته التي أطلقها منذ العام ١٩٩٤ حتى ٢٠٠٨ (سكت الرباب، نور  العيون، ما تشيلي هم، برتاح ليك، شايل جراح، ساب البلد ،اكتبي لي، خوف الوجع، الحنين،…إلخ).

8

في بداية المرض، انتابت الحوت آلام حادة في بطنه ظل يعاني منها لأيام وهو يتلقى العلاج بالمنزل رافضا طلب المقربين منه الذهاب إلى المستشفي التي نقل إليها بإصرار شديد من الجميع على رأسهم وقتها وزير الثقافة السموأل خلف الله وصديقه المقرب الراحل احمد الصاوي وتم فحصه من قبل الأطباء في مستشفى رويال كير وكانت النتيجة انفجار في القرحة ليقرروا إجراء عملية جراحية عاجلة تمت بعد مشاورات من عائلته وبعض المقربين من أصدقاءه.

بالفعل أجريت العملية ودخل بعدها في غيبوبة لم يفق منها وحدثت مضاعفات ليقرر الأطباء بضرورة نقل دم له، ليسارع الحواتة لحملة التبرع بالدم إلا أن وضعه الصحي بدأ يسوء أكثر لتقرر أسرته نقله إلى الأردن بطائرة طبية خاصة وقتها كان محمود غائبا عن الوعي.

اتجه محمود عبد العزيز إلى مستشفى الهيثم بالأردن التي لم يتلق فيها أي علاج أو تجرى له عملية جراحية وذلك بعد أن أكد الأطباء أن محمود وصلهم بحالة صحية متاخرة جدا وليس بمقدورهم فعل أي شيء تجاه حالته غير وضعه تحت رحمة الأجهزة بعد أن تعطلت كل الوظائف الحيوية.

وضعت إدارة مستشفي ابن الهيثم التقارير الطبية كاملة عبر مدير مكتب متابعة شؤون المرضي العرب بالمستشفى أمام أسرة الحوت وأكدوا بأن وضعه الصحي حرج جدا ولم يتم إجراء عملية جراحية له منذ دخوله المستشفى نسبة إلى انه جاء مصابا بتكسر في الدم وأدى التكسر إلى نزيف حاد في الدماغ جعل محمود يغيب عن الوعي تماماً وأنهم يتضرعون للمولى عز وجل أن يكتب له الشفاء، ووقتها نفى مدير مكتب شؤون المرضى العرب بالمستشفى أن يكون محمود مصابا بأمراض اخرى مثل السرطان والكبد الوبائي ، مؤكدا انها مجرد شائعات واجتهادات غير صحيحة يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، وتمنى لو أنه وصلهم قبل أسبوع من تاريخ دخوله لأن الوضع الصحي وقتها كان سيكون مختلفا ويسمح بتدخل جراحي.

حزن الجميع فور إعلان نتيجة التخطيط الدماغي، الأمر الذي يعني أنه سيظل غائبا عن الوعي نهائيا بينما تنبض أعضاءه الحيوية عبر الاجهزة الداعمة في الوقت الذي شهدت فيه تلك الاعضاء الحيوية تدهورا كبيرا وسجلت ارقاما متدنية .

ابلغت ادارة المستشفى (ابن الهيثم) اسرة محمود عبد العزيز بنتيجة التخطيط واعلان الموت الدماغي واخطرت السفارة السودانية بعمان التي ظل طاقمها يتابع حالة محمود الصحية باستمرار .

اكد الاطباء بمستشفى ابن الهيثم عقب موت محمود عبد العزيز دماغيا صعوبة نقله عبر طائرة طبية خاصة واشاروا بضرورة ان يبقى بالمستشفى نسبة للتدهور الكبير الذي تشهده اعضاءه.

10

تبقى شيء أخير أثار جدلا واسعا وهو نزع الأجهزة أو تركها، ولكن كان للأطباء رأي آخر، ليتم نزع الأجهزة والإعلان عن الوفاة رسمياً، يوم 17 يناير 2013، وتدافع الجميع صوب مطار الخرطوم بعد أن أكدت الأخبار وصول الجثمان تمام الخامسة مساء ألا إن جمهوره ومعجبيه ومحبيه كانوا قد حضروا منذ الصباح الباكر إلى المطار ما بين مصدق ومكذب الخبر.

وفي تمام السابعة مساء وصل الجثمان مطار الخرطوم فكان المشهد العظيم والموقف الكبير ،كانت هناك ترتيبات أمنية مشددة وتواجد كثيف لرجال الشرطة الذين تفرقوا في كل الاتجاهات وهم في حالة استعداد وتأهب كامل لضبط الموقف ولكن ذلك لم يجعل اليوم يمر بشكل عادي وبانضباط، فقد انفلت العيار وهاج الجميع وبدأت الشرطة في تفريق الجماهير بغاز المسيل للدموع ولا حديث يعلو فوق حديث الصراخ والعويل.

تم التوجه بالجثمان من المطار إلى مقابر الصبابي ببحري مباشرة ومن خلفه الآلاف حتى توقفت حركة المرور وتم إغلاق عدد من الشوارع الرئيسية لأن الجميع كانوا قد أتوا مشيا على الأقدام وهم يحملون لافتات كتب عليها كلمات حزينة من بينها (الحوت الحوت، الجان الجان ملك السودان) و(تفارق كيف تخلينا) و(خوف الوجع) و(سكت الرباب..الخ).

الحواتة يحتلون المطار
قبر محمود