نبيل فاروق.. وداعاً رجل المستحيل..!!

شرفة وجع
يس علي يس
نبيل فاروق.. وداعاً رجل المستحيل..!!


• وفي بواكير الصبا والشباب، وحين كانت الخرطوم تقرأ، كان جيلنا يتسابق نحو المكتبات كل يوم ليلتهم ما فيها من كتب ومجلات، كانت الأيدي الحنونة الواعية تغذي عقولنا بما يليق بعمرنا من قصص وحكايا، وتمرير للكير من العبر والنصائح والإرشادات وطريقة التعامل مع الناس والكبار والصغار والحيوانات والشوارع، وكل شيء في الحياة البسيطة التي كنا نعيشها آنذاك..!!
• جيل تربى على مجلات محلية كاملة الدسم والأناقة مثل الصبيان ومريود وصباح وعمار، ومجلات عالمية مثل ميكي وسمير وسوبر ميكي وميكي جيب وماجد وغراندايزر قبل أن تغزو السوق بعد ذلك العديد من مجلات الخيال العلمي التي لم تلامس عندنا هوى..!!
• في خضم هذا التدفق الثقافي الكبير سطع نجم الكاتب نبيل فاروق ليسيطر على سوق الكتب الشبابية بسلسلته المشهورة رجل المستحيل، والتي كانت نقلة كبيرة في مفهوم الكتابة المشوقة، واقتحام عالم المخابرات وحكاياتها المثيرة وبطولاتها لضابط المخابرات المصري “أدهم صبري” ورفيقته “منى توفيق”، ليكون خروجاً من عالم الروايات البوليسية البسيطة المتمثلة في المغامرين الخمسة والثلاثة وقصصهم المشوقة إلى السياحة في كل العالم رفقة رجل المستحيل والمكتب المتكامل والمجهز بأعلى الكفاءات..!!
• كم أرهقنا نبيل فاروق انتظاراً وهو يخفي مصير أدهم صبري زهز في قبضة إحدى مخابرات العالم وفي وضع لا يحسد عليه، وهو على بعد رصاصة من الموت، فيتركنا نهباً للتوقعات والاحتمالات، حتى صدور الحكاية الجديدة والتي نرحل عبرها في دنياوات من الكتابة الشيقة والرشيقة والتي كانت تلائم أعمارنا حينذاك، وترضي طموحنا وتقدم رجلاً مثالياً وبطلاً لعقولنا المراهقة..!!
• وبالأمس رحل نبيل فاروق عن دنيانا الفانية، رحل في صمت مهيب، وبصورة متعجلة لم تمهله حتى أن يكتب لنا ولجيلنا كلمات الوداع، أو يلوح بيده التي خطت أجمل الكتب وأنقاها، وصنع عشاق ومحبين بها في كل أرجاء العالم العربي حتى صار علماً من أعلام الكتاب العرب، ولا أخفي سراً إن قلت إنني تلقيت عشرات الرسائل من أصدقاء الزمن الجميل تنعى نبيل فاروق..!!
• لم يكن النعي عادياً عندنا، ولكنه كان اجتراراً لشريط طويل من الذكريات والحكايا، ونحن نلاحق الإصدارات الجديدة، ونعلم عن مواعيد نزولها في السوق المصرية ومتى ستصل إلى الخرطوم ومتى سنقرأها، ولا يفوتنا في هذه السانحة أن نترحم على العم محمد عبد الله سرون صاحب المكتبة الذي كان وصوله كل نهار من دار التوزيع بمثابة عيد لنا نتلقفه قبل حتى أن تطأ قدمه الأرض قادما من الدار، وفي انتظار فض الحبل الأنيق الذي يربط به الكتب والمجلات الجديدة..!!
• رحل نبيل فاروق، ولكنه لم يمت، فكتبه حاضره، وجيل كامل يحكي عنه وعن إبداعاته، وعن قصصه ورواياته، وعن ثقافة وأدب وارشادات وتوجيهات، وعلوم ظل يقدمها بطريقة بسيطة ومفيدة، هي التي جعلتنا الآن نجلس على هذه الطاولة ونكتب، ثم نقدم ما نكتبه للناس عسانا نكون امتداداً لهذا الرجل الجميل العظيم..!!
• ألا رحم الله الكاتب المصري نبيل فاروق، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أؤلئك رفيقا..!!
• وداعاً نبيل فاروق..!!