كنكشة

تخاطر

خالد علي

كنكشة

بعد زهاء الثلاثين عاماً من الإقلاع راودتني نفسي ، مع شح الوقود ، أن أمتطي دراجة إبني لقضاء بعض إحتياجاتنا المنزلية ، فتقدمت بكل ثقة ومن البَدّال الأول تمايلت وترنحت وسقطت سقوطاً شنيعاً وأيقنت أنني  قد فقدت كثيراً من مهاراتي التي كنت أشتهر بها بين أقراني آنذاك وأكتشفت أن أحد أمثالنا المأثورة والمشهورة ” ركوب العجلة ما بتنسي” وأنا ، قد تهاوينا على الأرض سوياً .

يبدو أن هذا السقوط كان كفيلاً بتشكيكي في كل المسلمات والأمثال الشعبية التي نشأنا عليها ، وبالتجربة التي تعتبر خير برهان وجدت أنه من الممكن جداً لركوب العجلة أن يتنسي ، وعليه يجب أن تتعرض كل موروثاتنا الشعبية والسياسية والثقافية والرياضية وكل تفاصيل حياتنا اليومية في السودان لإختبارات تطبيقية عملية للتحقق عن مدى مصداقيتها وإمكانية مساهمتها في رفد الأمة بمعينات التقدم والرفعة ، فثقافة الشعوب والأمم هي التي تشكل حكوماتهم، وإن حدث العكس كما في جميع ما يسمى بدول العالم الثالث ، فسوف تفقد الشعوب بوصلتها في العيش المرفه الآمن المستقر.

إستغفرت وأنا أَهِمُ بالنهوض من تلك السقطة وقررت أن أدع مِقوَد الدراجة لإبني لتوفير إحتياجاتنا من غازٍ وخبزٍ وخضار فاللحوم قد قاطعتنا قبل أن نقاطعها. فحسب تقديري أن أبنائنا من الشباب يمتلكون مهارات فائقة في القيادة إن أفسحنا لهم الطريق وأودعنا سلوك (الكنكشة) جانباً، فلديهم الطموح وقوة الدفع الذاتي واللياقة الذهنية والصحية ، فقد آن الأوان  لكل ألوان الطيف السياسي والمجتمعي والرياضي والثقافي بالتنحي وضخ الساحة بدماء شابة جديدة فقد تلمست فيهم روح إبداعية مبالغ فيها في كافة المجالات ،بحكم إنفتاحهم على العالم عبر الوسائط ويتميزوا على أقل تقدير بتنامي روح الجماعة والفريق لديهم عبر تنظيماتهم ومجموعاتهم التي أسهمت بشكل كبير في قبول الرأي والرأي الآخر والإيثار والعمل الطوعي وتوخي الأمانة في المسائل العامة لأن كاميرات المراقبة أضحت بعدد الهواتف الذكية التي تحيط بمواقع الأحداث ليل نهار.

ولكي أؤكد لكم ما نعانيه من تشبث وإتساع الهوة بين أجيال السودان ،  فقد تصفحت من ذي قبل صحيفة (السودان الجديد) التي يعود تأريخها للعام 1964 والتي وجدتها بالصدفة في مخزن منزل جدنا ، فوجدت أن مادتها الإخبارية هي نفس الأشخاص والأحداث والمسميات والمصطلحات التي نعايشها اليوم  من أزمة كيف يمكن أن نحكم أنفسنا وتدهور الآداء الإقتصادي والعلاقة مع (الشقيقة) مصر والديون وعلاقاتنا الخارجية والهلال والمريخ ( وهلم جرا) ، وللأمانة فقط لم يرد مصطلح “حاضنة” في أي من صفحاتها كمصطلح مستحدث جديد في الفقه السياسي ، فلا يمكن أن ندع أمر رفعة البلد والتحليق بها في سماوات الدول الأكثر تقدماً لشيوخ في الثمانينات والتسعينات من أعمارهم وهم يواجهون حدث هبوطهم الإضطراري بحكم تقدمهم في السن.

فيا شباب السودان إستأنسوا في أنفسكم الكفاءة  وعززوا ثقتكم فيها ، ويا مُسني السودان بطلو كنكشة  يرحمنا ويرحمكم الله.