طحنية أمريكية

تخاطر

خالد علي

طحنية أمريكية

أربعتهم ، محمد وحسن وعلي وبيتر ، كانوا جلوساً وسط حقول القمح والفصل شتاء وهم على أعتاب السلم التعليمي في إحدى مكاتب مشروع الجزيرة، يمتعون أنفسهم بوجبة شهية على الهواء مباشرةً من طير الرهو المشوي الذي يهاجر عابراً فضاءاتهم من الشمال إلى الجنوب مستدفئاً .

محمد من إحدى قرى الجزيرة وكان والده مفتشاً زراعياً يمتلكون حظيرة خلفية تحتوي على البقر والضان والماعز وكانوا يكرمون ضيفهم باللبن صباح مساء، حسن والده يعمل في إدارة المخازن وجذورهم من الشمالية وله أم عبارة عن حِن يمشي على قدمين بشلوخها المميزة، وكانت جيوبه منتفخة على الدوام بأنواع البلح الطازج،  ويجود على أصدقائه حسب ثيرمومتر علاقته بكلٍ منهم في تلك اللحظة ، فيقرب هذا ويبعد ذاك، و علي والده في قسم الترحيلات وينتمي إلى شرقنا الحبيب وكان يدهش مجموعته بأنواع الأصداف البحرية  المختلفة والمتنوعة ويضعونها في آذانهم ليستمتعوا بصوت البحر وكان أصدقائه حضوراً في باله حينما يذهب لأهله في بورتسودان فيعود إليهم بالنظارات والساعات والمسدسات المستوردة عبر الميناء، وبيتر بلكنته المحببة ينحدر نسبه إلى دينكا بور ويعمل والده في مصلحة الحسابات وله عم يعمل في إحدى المنظمات في يوغندا يقضي إجازاته معهم، وكان لكل الشلة  عند عم بيتر إسماً واحداً ، بنجوز، وله الفضل في أنهم إكتشفوا أن الأناناس فاكهة على يديه، فقد كان يغدق على أبناء أخيه بكل أنواع الفواكه الإستوائية التي لا يعرفون لبعضها إسماً ولا كيفاً للتعامل معها.

عند إشراق كل جمعة شتوية كان الأصدقاء الأربعة يتصيدون عند الكبري قدوم الخواجات البلغار الذين يعملون في رش الحقول بالمبيدات عبر طائراتهم الصغيرة،  ويرتدون التي شيرتات والشورتات والكسكتات والنظارات السود و يمتشقون أسلحة الصيد ويمتطون اللاندروڤرات، يمنون أنفسهم بلحوم الرهو والحُبار الذي يفوق الضأن طعماً ، وكان أربعتهم يركضون خلف رتل اللاندروڤرات حتى نقطة الإرتكاز، فعلى الخواجات إطلاق أعيرتهم النارية على أسراب الطيور المهاجرة، وكانوا جداً حريصين على سلامة الأطفال من حولهم، وكان على الأصدقاء تحديد المواقع التي سقطت عليها الطيور وتجميعها في مكان واحد، و بعد فراغ الخواجات من عملية الصيد وإنجاز الأصدقاء لعملية تجميع ما يقارب المائة طائر مرتحل،  يقتسم فريق العمل العائد على طريقة القسمة الضيزى  لينال أصحاب الأرض جائزة عبارة عن  ضحية واحدة من الرهو أو الحُبار ويعود الأجانب بالتسعة وتسعون مع تعذر إمكانية المفاوضات بسبب عدم توفر اللغة المشتركة التي يعز معها الخطاب ، وكان على كل من أربعتهم دور في توفير مستلزمات الشواء من فحمٍ  وملح وشطة وليمون وغيرها من إحتياجات، ويحملون طائرهم ، الذي يفوقهم حجما،  على أعناقهم ، وفي بعض المرات يجرونه جرا من فرط حجمه الكبير، وتطورت وجبتهم لتشمل كوباً من الشاي الكشري بعد أن قاموا بتسريب معداته من منازلهم ، وأهم ما يميز تلك الوجبة، السرية التامة،  بعد أن نال كل منهم علقة ساخنة يوم أن تمكنوا  من تجميع الأسماك المترنحة على سطح  الترعة من فرط رش المبيدات وطفحت على سطح الماء وتقاسموها وعادوا بها إلى منازلهم فرحين بأن لهم إسهاماً في المنصرفات المنزلية فكان جزاءهم الضرب المبرح ، وحجة أهلهم عليهم  أنهم لم يشتكو لهم جوعاً حتى يذهبوا ويجاذفوا بحياتهم غرقاً أو بصحتهم مرضاً وما ميكروب البلهارسيا عنهم ببعيد. ونفس هذا السيناريو قد حدث للأصدقاء كل على حده بحذافيره وبنفس الكيفية والحجج، فأمهاتهم كن يجتمعن على القهوة النهارية ، في جلسة أشبه بالبرلمان النسائي، يتداولن فيه مواضيع مختلفة ، ويتبادلن فيه الخبرات في التربية ، وكيفية تطويع الأزواج ، وقصص مثيرة عن التعدد ، وكان الحظ حليفهن في هذا المضمار فقد كان التعداد السكاني  في ذلك السكن الوظيفي المحدود لا يشتمل على من هن في سن الزواج،  وكان لنسيباتهن نصيب سيدنا يوسف من الكيد العظيم.

بعد أن إرتشف الأطفال الأربعة الشاي على طريقة الكبار تقليداً دونما أدنى إحساس بالكيف ، تجاذبوا أطراف الحديث وكان للخواجات و تفاصيل حياتهم النصيب الأوفر في تلك الدردشة، وتظلموا لبعضهم البعض وكان إحتجاجهم صارخاً على طريقة قسمة العائد من عملية الصيد ، ولخصوا الموضوع في أن الطير طيرنا والقمح قمحنا، ولا يمتلك أولئك الفرنجة غير أسلحتهم الفتاكة ومتحركاتهم القوية من لاندروڤرات ، وبرزت كثير من الأسئلة على السطح و التي لم يجدوا لها إجابة برغم إجتهاداتهم في التلفيق والتلتيق ولكنها لم تكن مقنعة فعلى سبيل المثال ، تسائل  محمد :

– هسه يا خوانا الخواجات ديل بحتاجو يمشو الحمام ويقضو حاجتم  زيّنا كدي؟

فردّ حسن بسرعة  بديهة أهل الشمال :

– والطحنية البتاكل فيها دي انت قايلا شنو؟

وإندهش الجميع لدرجة الغثيان

تذكرت تلك القصة ونحن في بواكير الشتاء ونمني أنفسنا بلحم طير مما تشتهيه الأنفس بعد فك الحظر وتوافد الفرنجة علينا من كل حدب وصوب ، ولكننا نخشى على أنفسنا من القسمة الضيزى وطحنيتهم على حد قول حسن.