فك الحظر !

تخاطر

خالد علي

فك الحظر !

كان التاج ذكياً ، وسيماً ، بهي الطلعة حائز على الدرجات العلمية العليا  في تخصصه ولكنه كان غير موفقاً البتة في تفاصيل حياته ، فقد كان حظه عاثراً بعض الشيء وكثيراً ما يجد الحصى في كبد مواضيعه ، فكلما التحق بمؤسسة تنتهي العلاقة إما بفشله في إقناع إدارة المؤسسة بجدواه، وإما بفشل المؤسسة نفسها في الإستمرارية، وقد لاحقته تلك اللعنة حتى في زيجاته الثلاثة السابقة ولكنه في الرابعة، حالفه الحظ أخيراً في زوجة وأسرتها أهم ما يتميزون به أنهم على قدرٍ وافر من الحنكة والدراية والنظرة الكلية للحياة بأوجهها المختلفة والمتقاطعة، فبُعيد زيجته الأخيرة أصبح التاج يتقلب في أمراض لا رابط بينها إلا حديث المصطفى صلوات الله عليه وسلامه عن تداعي أعضاء الجسد الواحد وتردد على مجموعة من الأطباء دون جدوى، فاجتمع أهل زوجته عفواً وتداولوا معضلته سراً وسبروا أغوارها بحثاً، وتيقنوا أن أصل أمراضه ليس بعضوي وربما تكون أبعاد معاناته روحية ذات صلة بإحدى زيجاته السابقة علماً بأن صلاة التاج وإلتزامه بفروض دينه حسب التساهيل، مما يسهل أمر إختراقه من قبل المتربصين به وما أكثرهم بسبب وافر معطياته وسوء طالعه ، ترسخ هذا الفهم الجديد بصورة حفزتهم لإنقاذ إبنتهم وزوجها من براثن تلك القيود التي أقعدتهم حتى عن الإنجاب، حسب إعتقادهم الجازم، وصارحوا التاج وعروسته  عمّا يجول في خاطرهم، ولم يقتنع التاج بتلك التبريرات في البداية لرأيه الواضح المسبق في تلك الخزعبلات وتناقضها مع مبادئه،  وأن مكانته العلمية والإجتماعية والمهنية لا تتقبل ذلك المنحى ،   ولكنه تحت وطأة أمراضه المتعددة وضغوط زوجته وأهلها رضخ وإستجاب لعل وعسى.

في وسط خلوة الشيخ جلس التاج وزوجته وخالها خبير الأسرة في شؤون العلاج الروحي وبدأت الرقية الشرعية وتبدلت ملامح التاج، وتعالت همهماته، وتغير صوته، وتوالت حركة ذراعيه وساقيه في كل الإتجاهات، وطفق يتحدث بلسان آخرين وجبينه يتفصد عرقاً، وبدأ يهدد الشيخ ويتوعده ، ومن ثم تقمص شخصيات زوجاته السابقات واحدة تلو الأخرى وحاول جاهداً في كل مرة ترسيخ إتهامهن بأنهن من يقف خلف تلك الأفاعيل التي وضعت المتاريس في مسيرة التاج المتعثرة ، وجدت هذه التصريحات صدى  وهوى في نفوس الحضور ، وإختلطت عليهم الإمور وتشابكت حينما دلف من يتحدث بلسان التاج لإتهام شقيقات التاج لعدم مباركتهن لزيجته الأخيرة ،  وبمزيد من آيات الذكر الحكيم وضغط الشيخ وسياطه تراجع الذي يتحدث التاج بلسانه وإدعى أنه جان مسلم ولم يعره الشيخ إهتماماً وأمره بالخروج الفوري وإلا…..فإستجاب ووعد بالخروج ولكنه ظل يراوغ ويراوغ مما حدا بالشيخ أن يتسلح بكل ما قدره له الله من حزم وحسم وصرامة صدرت في شكل تعليمات شديدة اللهجة، وبلغ التوتر قمته في أوساط الحضور ،  وتجسيداً لقول الكريم ، إن مع العسر يسراً،  هدأت أنفاس التاج شيئاً فشيئا وغشيت السكينة ملامحه، وإستعاد وقاره، وتلفت يمنة ويسرا وحاول النهوض ولم يسعفه جسده المنهك وأشار إليه الشيخ بألا يتعجل وأن للتعافي درجات، وعمم الشيخ حديثه بأن للجن مداخل كثيرة كالفرح الشديد والغضب الشديد وكذلك العين والحسد والسحر وعلى الكل أن يتحصنوا صباح مساء وعند اللزوم، وأن يبتغوا رضا الرحمن في كل حركاتهم وسكونهم لينالوا البركة في تفاصيل حياتهم، وأشار الشيخ بأن ما ورد على لسان التاج لم يكن سوى محاولة متجددة للفتنة  ، لتأمين سكن بديل بعد أن قرر الخروج من التاج، وزاد بأن ذلك العالم الروحي له قوانينه ولوائحه التي تنظمه، ونبه الشيخ لعدم تردد زعماء عالم الجن  في حرق كل من يكشف عن هوية من يتعامل معهم من بني الإنس ، وحاولت زوجة التاج إستدراج الشيخ لمعرفة التفاصيل كعادة سائر النساء، ولكن الشيخ تحفظ درءاً للفتنة وسمعوا جميعهم أصوات صراخ وضجيج من صالة منتظري العلاج الملحقة بالخلوة وإنزعجت زوجة التاج إلا أن الشيخ أرسل تطميناته للمرة الثانية بقوله متبسماً :

ده بكون تحويل رصيد لحالة مشابهة  ، و مبروك يا التاج فك الحظر

ضحك الجميع على الشق الأول من تعليق الشيخ وتَمنّعَ عليهم تفسير الثاني.