دقَّت في العراضة

تخاطر

خالد علي

دقَّت في العراضة

نحن كشعب سوداني نتعاطف و نطرب أيَّما طرب للكرة التي ترتطم بالعارضة أكثر من تلك التي تُحتَسب هدفاً صحيحاً صريحاً ، وخاصةً لو تم تسديدها من خارج خط ١٨ ، وإن كنت من رواد مدرجات ومساطب ملاعب كرة القدم سوف تشهد بأم عينيك كل أشكال وألوان وأنواع الإنفعالات الإنسانية عند لحظة الإرتطام هذه فيقفز أحدهم باسطاً كفيه ، ثم يهبط ضارباً قبضة كفه الأيمن بكفه الأيسر المبسوط ، وتجد آخراً واضعاً كِلتا يديه فوق رأسه محتاراً ويرسم على شفتيه إبتسامة يصعب تفسيرها ، وتجد ثالثاً قد أقدم على خنق جاره وهزِّه عنيفاً وهما يضحكان ملء شدقيهما ، وربما يفتح ذلك الإرتطام باب للرزق والتكسب للباعة المتجولين ، فيطلب هذا ماءاً ويطلب ذاك تسالي ويشتهي الآخر قصباً ، ولا يعدو التفسير الفني لذلك الإرتطام سوى:

(تمريرات لم تكتمل أسفرت عن تسديدة غير موفقة ضيعت مجهود الفريق في سبيل إحراز الهدف المطلوب)

وقس على ذلك في كافة مناشطنا الحياتية ، ففي تاريخ علاقاتنا العاطفية في السودان ، نجد أحسن قصص العشق والهيام الصالحة للتداول جيلاً بعد جيل ، تلك التي قد باءت بالفشل في خط ستة ، مما نتج عنه إرث غنائي مليء بالشجن والبكائيات الشيء الذي ساهم في تشكيل وجداننا وثقافتنا التي تتسم بالحزن الدفين في أعماق كل منا مما جعلنا نتخوف من كل لحظات سعيدة تمر علينا ، والأدهى والأمر أننا نقف بجانب من تسببوا في فشل إستمرار تلك العلاقة ونلوم الطرف الأنجح ، وفي منحى آخر تجدنا في أشد حالات الإعجاب بالطالب الذكي المهمل الذي لم يستغل مهاراته بالطريقة المثلى ، بل وجنح بعض أدعياء الذكاء بالتمظهر بحاله في الإهمال لعل وعسى يتم تصنيفهم كما يشتهون، ونحتفي بالموظف الشاطر الذي يعاكس رؤسائه في العمل لإثبات جدارته وخواء من هم فوقه إدارياً وفنياً ، وينتج عن ذلك إختزال أهداف المؤسسة في صراعات شخصية لا طائل منها ، ونتفاخر بأبنائنا الذين برزوا في مجالاتهم المختلفة في بلاد المهجر والسودان أحقّ بإسهاماتهم تلك ، ونصدر مواردنا خام ونستوردها مُصنعة، نفاوض لنيل حصتنا كاملة في مفاوضات سد النهضة و نشكو للعالم من السيول و الفيضانات التي تجتاح البلاد سنوياً ، ونُشَيِّد كبري من المنشية وعند الإقتراب من الضفة الشرقية للنيل نبخل بتكلفة العلبة الأخيرة ويتم إلغائها وترتطم الماء بردميات الكبري أثناء فيضان النيل ، ويطلق السياسيون عبر حكوماتنا المتعاقبة إستراتيجياتهم الثلاثية والخمسية والربع قرنية وترتطم كل تلك الخطط بأدراج مكاتبهم ويتبارون في كيفية التضييق على المواطن، وأبعد من ذلك تناضل أحزابنا السياسية عقوداً من الزمان من أجل الديمقراطية ، و تفتقر أبسط قواعد الشورى في أروقتها و هياكلها الداخلية ، و ترتطم كل برامج الحزب بعارضة السيد الرئيس و من هم حوله.

التعجل في إحراز الأهداف ربما يُضيعها ، ما لم نتبع الخطوات المطلوبة في سبيلها ، وعليه يجب علينا التريث و إعطاء كل مرحلة حقها ومستحقها من التخطيط والتمحيص والتدقيق والإستكشاف المُبكر لمواطن المخاطر المتوقعة ومحاولة تجنبها ، ولا يتأتى ذلك إلا بإفراد زمن مقدر والصبر على مرحلة التخطيط والدراسات لكل التفاصيل التي نتجاهلها في السودان مع سبق الإصرار والترصد ، ولنا في الشفقة نصيب وافر دون شعوب العالم وأخطر أنواعها تلك التي تنتابنا في اللحظات الأخيرة والتي ربما تطيح بكل ما قد تم إنجازه ، وقد قيل من قبل أن الفشل في التخطيط لأمر ما ، إنما هو التخطيط لفشله ، ومن ثم يجب علينا مراقبة التطبيق كما ورد في الخطة التي تم الإتفاق عليها مسبقاً ، ومحاربة كل المحاولات المتعجلة والمتربصة والمترصدة والتي يمكن أن تنحرف بنا عن تحقيق الأهداف المنشودة .

وقد سمعت من ذي قبل أحد المدربين الأجانب لأحد أندية القمة يشكو مُر الشكوى من عدم تَقيُّد اللاعب السوداني بالخطة الموضوعة ، وأن ما يتم التخطيط له في المعسكر المقفول والتمارين التحضيرية والمباريات التجريبية يختلف تماماً عما يبدر عن اللعيبة من سلوك فردي بعيداً كل البعد عما تم الإتفاق عليه ، و كانت خلاصة تقييمه أن معظم الأهداف التي تم إحرازها في السودان عبارة عن ” قضاء و قدر” ، فلو إعتمد كل عازف على مهارته وغض طرفه عن النوتة التي أمامه وتوجيهات المايسترو فالناتج سوف يكون لحناً نشاذاً لا محالة…