قرد بخيت

تخاطر

خالد علي

قرد بخيت

يروى والعهدة على الراوي أن بخيت كان يمتلك ذهنية أستثمارية لو أتيحت لها الفرصة لأصبحت بلادنا قطوفها دانية لا مقطوعة ولا ممنوعة ، إلا أن حظنا العاثر لم يتح له التمتع ولو بقسط يسير من التعليم.

إمتهن بخيت بحكم موقع سكنه الجغرافي بالقرب من المنطقة الصناعية مهنة الحدادة الأرضية التي تعتمد على نفخ الكير لتوفير الطاقة اللازمة لإضرام النار المطلوبة لتطويع الحديد وتذليل منافع الناس. وتدرج بخيت في مهنته حسب السلم الوظيفي من صبي حداد مروراً بمعلم ماهر حتى إمتلك ورشة ناصية يشار لها بالبنان مزودة بصبي لنفخ الكير وكارو حمار لزوم تقليل تكلفة ترحيل المواد الخام والتربح من نقل منتج الزبائن وإحتياجات المتاجر المجاورة.

تمكن بخيت من عائد ريع الورشة وإسكراب حديدها أن يؤسس لمدينة ملاهي مصغرة في الفترة المسائية تحتوي على كل أنواع المراجيح في ركن منزله المطل على النيل مباشرة. وإستجلب قرداً بعد أن نصب له فخاً من الموز أسفل شجرة مانجو نيلية وقام بتدريبه على كل حركات السوق البهلوانية وكان الأعلى دخلاً إذ يحبذه أطفال القرية لحيويته بعد أن سئموا اللعب بتلك المراجيح المتصلبة في مكان واحد.

إعتمدت إستراتيجية بخيت الإستثمارية على توفير مصدر دخل لكل وجه صرف. وتلاحظ لديه بعد أن أنجب العديد من البنين والبنات أن بند اللبن كان خصما على أرباح منظومته التجارية، فقرر أن يمتلك معزة كانت قد ولدت حديثاً لكيلا تكلفه علفاً دون عائد لبن. وتمكن بخيت من قسمة اللبن على جزئين الاول لمنزله والآخر لغرض تجاري لإسترداد قيمة المعزة عبر شراكة ذكية مع ست شاي أمام منزله على النيل بعد أن قام بتصنيع كل مستلزمات ست الشاي من ورشته والمساهمة ب 50 % من لبن المعزة. وكان رواد الشاي من العتالة والبائعين المتجولين في سوق القرية ، فبعد إنتهاء دوامهم يستمتعون بالإستحمام في النيل وغسل ملابسهم ونشرها على رمال الشاطئ ومن ثم إرتشاف الشاي وتجاذب أطراف الحديث فيما بينهم عن مغامرات كسبهم الحلال في ذلك اليوم.

تذمرت زوجة بخيت من تلك الحياة المحكمة مالياً وإقتصادياً فلم تستمتع يوماً ما كسائر الزوجات على حد قولها ببحوحة من العيش ، ولم تظفر طيلة حياتهم الزوجية بمبلغ من بخيت كمصروف ، وكان بخيت يتمتع بذاكرة حديدية لم تدع لزوجته فرصة إيجاد مبلغ منسي في جيب جلباب همت بغسله. وزادت وتيرة ضجرها مع الزمن حتى إنفجرت في وجه بخيت وطالبته بذبح عتود المعزة لتستمتع هي وبنيها بالشئ القليل من رغد الحياة. إمتعض بخيت من سلوك تفكير زوجته البذخي ولكنه مع إستمرار الضغوط من كل أعضاء الأسرة لمدة شهرين متتالين رضخ بخيت لرأي الأغلبية وقرر ذبحه.

فكر بخيت في الإستفادة من تنفيذ طلب أسرته الإستهلاكي، وقرر إعادة هيكلة مؤسسته التجارية لإستيعاب منصرف العتود الذي لا يقابله إيراد. وبرقت له فكرة تشغيل القرد المتعطل في الفترة الصباحية لنفخ الكير في الورشة والإستثمار في إستحمام عمال السوق في النيل عبر توفير حبل و تربيزة ومكواة لصبي الورشة لكي ملابسهم والتربح من ورائهم على أن يتم إستخدام العتود لتفيذ هذه الخطة.

وذات صباح حمل بخيت العتود والقرد على ظهر الكارو وذهب بهما إلى الورشة، ومسك العتود من كلتا يديه وبدأ يعلم فيه كيفية نفخ الكير، ولم تجدي تلك المحاولات العديدة مع العتود البريء وفي المرة الأخيرة والقرد يرقب ذلك الموقف إنتهر بخيت العتود وهدده بالذبح إن لم يتمكن من نفخ الكير ، وفشل العتود وقام بخيت بذبحه مباشرة على مرأى ومسمع من القرد…وبعد فراغ بخيت من عملية الذبح والسلخ والتقطيع إلتفت إلى القرد ووجده ينفخ في الكير بمهارة مذهلة وذيل ممدود.