من أعلن النعي..؟؟

شرفة وجع

يس علي يس

•      والآن نفتقد كل شيء، نفتقد ليلات الخرطوم القديمة، وعطرها القديم ، سهراتها، ولياليها الباذخة الجمال، حين كانت “فرقة الأصدقاء المسرحية” تملأ الدنيا بالسخرية الهادفة، وتقدم الضحكات كاملة الدسم، بمسرحياتها “اللذيذة” وشخوصها الذين لا تملك إلا أن تضحك من قلبك حين تلاقي أحدهم في أي مكان حتى لو كان ذلك “في بيت بكاء”، فقد كانوا أصدقاء صادقين، يقدمون فناً جميلاً وأفكاراً عميقة، قبل أن يتسلل سرطان الإنقاذ ويبدأ في بتر الفن جزءً جزءً، ليمسح كل جمال..!!

•      كان الفاضل سعيد رحمة الله عليه مسرحاً بحاله، وكان أبو قبورة والسميح، وعلي مهدي وكل الرائعين الذين أثروا الساحة المسرحية، وزينوا ليلاتنا بأبي الفنون، فقد افتقدناهم حين غابوا في ظلام عقليات المؤتمر الوطني الرجعية التي باعت كل شيء حتى السينمات والمدارس والساحات، ولم يتركوا شيئاً جميلاً ليبقى مجرد ذكرى في هذا الوطن المسكين..!!

•      كانت عقد الجلاد تتسرب في دم الناس، تستلذ بألحانها البسيطة الجميلة، وإيقاعاتها وعبقريها عثمان النو وبقية أعضاء الفرقة، تركب طريق الرمزية السهلة لتوصيل الصوت إلى الناس، وللحفاظ على نبض الثورات حي، ولكن عقد الجلاد اخترقت، وتوزع دمها بين المصائب، لتصبح باهتة الآن، أثر بعد عين، ومعجبها ينتظرون منها العودة في هذا الجو النقي، وفي هذه الديمقراطية الجديدة التي انتزعها الشعب بدمه ودموعه وابتسامته..!!

•      أضاعوا حتى هاشم صديق، بعد أن اختطف الموت الرائعان محجوب شريف ومحمد الحسن حميد، ليبقى أزهري محمد علي ومدني النخلي وقاسم أبوزيد ويحي فضل الله وغيرهم شوكة في حلوق الظلم، يصبحون كل يوم بصاعقة جديدة في رأس الظلم والاستبداد، فاحتفظوا بوطنهم، واحتفظوا بمكانتهم في قلوب هذا الشعب الوفي..!!

•      وكأننا كنا نقرأ مع هاشم صديق المختفي من المشهد العام منذ زمن طويل “عيون الأرخبيل” أو “اجترار” حين كتب هاشم صديق: كنا في الحي/ نطالعُ من جدارٍ لجدار/ الشعاراتَ التي كُتبت بليلٍ ضد آثامِ (الطواغيت) الكبار، ثم يمضي هاشم صديق: كانت الدنيا حديقة/ ومضيئة/ (المواهي)/ و(المقاهي)/ (المسارح) (الجماهير) (السواري)/ (قلدة الأعياد)/ و(ترنيم الأماني)/ الأغاني/ الرياضة/ (المحينة)/ و(الرهيب رجل الثواني)/ كانت (السينما جميلة)/ وصديقة/ (سايكو) في سينما (برمبل)/ في كلوزيوم/ في المناظر/ أعلنوا (صوت الموسيقى)/ يجهرُ المذياعُ بالشدو الجميل/ (وردي) غنى (المستحيل)/ الدراما/ الكرامةُ/ الصحافةُ/ الحصافةُ/ الثقافةُ/ القيافةُ/ الطرافةُ/ والأمان/ من أعلن النعَي على ذاكَ الزمان؟!!/ من أصدر الذكري على ذاك الزمان؟!!..!!

•      فعلاً.. من أعلن النعي على ذلك الزمان يا هاشم صديق..!!

•      مازلنا نحلم بأن يعود إلى الخرطوم بريقها، وأن تغتسل مما علق بها من دنس الرجعية، لتكون زاهية كما كانت، وحلماً يراود مخيلة الكثيرين..!!

•      نحلم بأن يعود الشعار القديم، “القاهرة تكتب، بيروت تطبع، والخرطوم تقرأ”..!!

•      ترى هل يعود ذا الزمن؟؟

•      ياريت والله..!!