سمَّاكين

تخاطُر

خالد علي

سمَّاكين

وهم جلوس بين يدي شيخ الحلقة القرآنية في مسجد الحي ، وبُعيد فراغهم من أذكار صباح تلك الجمعة ، إنضم إليهم محمد أحمد ذلك الرجل الستيني الذي حطّ رحاله حديثاً في تلك المنطقة بعد تقاعده للمعاش الإجباري ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلتئم فيها معهم لتلاوة القرآن ومحاولة مُدارسة أحكام التجويد عبر الإستفادة من الأخطاء التي ترد من قراءة كل منهم وتوضيحات شيخ الحلقة المتمكن تماماً في تجويد القرآن الكريم وتفسيره وأسباب نزوله ورسائله الموجهة للبشرية جمعاء.

ولحسن حظ محمد أحمد ، وهم يتدارسون في سورة الكهف كما جرت عادتهم بعد فجر كل جمعة ،  أشار عليه  الشيخ بتلاوة ذلك اللوح ، وبدأ محمد أحمد متلعثماً ، يضم المفعول به وينصب الفاعل ويكسر مع سبق الإصرار والترصد خبر المبتدأ ، ويبادر الشيخ،  الذي يصغره سناً بل من الممكن أن يكون  في مقام أبنائه، بتصويبه ويتقبل محمد أحمد  تلك التصحيحات بصدر ضيق، وهو يتسنم صهوة جواد حواره الداخلي بينه وبين نفسه الذي يحفزه على التوقف ومغادرة الحلقة فوراً إلى غير رجعة ، فحسب إعتقاده أن الشيخ قد مارس عليه ضغوطات تنعيم غربال أخطاء التجويد ،  دون سائر أعضاء الحلقة الذين تمت محاباتهم حسب تقديرات نظرية المؤامرة المسيطرة على تفكيره كوافد جديد للحي . وقد فسّر محمد أحمد ذلك السلوك من الشيخ بأنه محاولة منه لإبعاده من الحلقة لشيء في نفس الشيخ ، وواصل تلاوته على مضض حتى وصل الآية الكريمة (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ)  وبدّل كلمة مساكين وقرأها سمّاكين ، وصححه الشيخ ، فانتفض محمد أحمد محتجاً ، وقد بلغت وساوسه وظنونه منطقة اللاعودة، خالعاً نظارته السميكة العدسات ، ومؤكداً على صحة ورود السمّاكين في الآية وتسائل  متهكماً عن مؤهلات الشيخ ومستعرضاً خبرته السابقة في مجال الخدمة المدنية منذ عهد الإنجليز ،  بل وتمادى بإتهام الشيخ بالعدائية الغير مبررة لشخصه وقرر أن يغادر الحلقة إلى غير رجعة ، وسوف يعمل على تأسيس حلقة موازية غرضها التعليم والتعلم  وإتهم كل أعضاء الحلقة بأنهم عبارة عن عصابة ذات مصالح مشتركة بزعامة شيخهم العدائي.

تبسّم الشيخ ضاحكاً من قوله ، وناداه بكل حميمية بأن يتأمل ويتدبر كلمة (لمساكين) بنفسه في الآية الكريمة ويتبين ترتيب حروفها لتمييزها من (السمّاكين).

وأنزل الله سكينته على عبده محمد أحمد ، مرتدياً نظارته ومستغفرا ، ولهول مفاجئته بعد أن إكتشف صحة تصويب الشيخ ، سمع حسبنته كل من في الحلقة مُهمهماً مخاطباً لنفسه :

( أيا والله طلعت لمساكين ، علي الطلاق أربعين سنة بقراها براي لسماكين ، ما هو ي مولانا سفينة وبحر الجاب المسّاكين هنا شنو؟!!!!)

فانفجر الكل ضاحكاً ، وبادر محمد أحمد بتقبيل رأس كل من في الحلقة صغيرهم وكبيرهم معتذراً ومعترفاً بوساوسه ، وترك كل ذلك جانباً وبدأ رحلة تعليمه وإجتهاده ومثابرته  ، إلى أن أصبح شيخاً على الحلقة حافظاً للقرآن في غضون خمسة سنوات  بعد رحيل الشيخ الشاب لمنطقة أخرى.

يبدو أننا وبعد خروج المستعمر ، قد أدرنا دولتنا عبر الحكومات المتعاقبة بفقه السمّاكين الذي إستلمناه من الحكم الانجليزي المصري الذي يهدف لنهب وإستنزاف ثروات البلاد دون تبصُر وتفكُر ، فيتوجب علينا تدبر ظروفنا وأن يتقبل كل منا الآخر وأن ندع جانباً آراءنا السالبة في بعضنا البعض لكي نتمكن من قراءة مصحفنا الوطني وتجويده على النحو الذي يوفر لنا سبل العيش الكريم في بلد غني بموارده ويفتقر شعبه  للإرادة وحكوماته لحسن الإدارة ، ولنا في تجربة الشيخ العارف بالله محمد أحمد وصبره على أسباب النجاح أسوة حسنة.