أوعديني

تخاطر

خالد علي

أوعديني

لكي يتمكن يس من رسمها على شنطته المدرسية المصنوعة من قماش الدمورية الذائع الصيت، إستغرقت معه قرابة ساعة من عمر الزمان، وهو جلوساً تحت تلك الشجرة العتيقة التي تتوسط المسافة مابين المدرسة وأطراف القرية الشمالية ، فقد كان حينها في الصف الأول الإبتدائي وقد فرغ للتو من آخر إمتحان شفهي للفترة الأولى من العام الدراسي ، فأكثر ما جذب يس لرسم كلمة ( أوعديني) التي وجدها مكتوبة في الباب الخلفي لأحد اللواري المُستظِلة تحت الشجرة ، تلك الألوان الزاهية لكل حرف على حده ، وقد رسمها كما هي تماماً على الطريقة الصينية في التقليد ، ولحسن حظه كانت معه علبة تحتوي على جميع الألوان المطلوبة ، وبُعيد  فراغه ، وضع شنطته على مسافة منه ، تمكنه من المقارنة بين لوحته وما هو مكتوب على خلفية اللوري ، وإبتسم إبتسامة حفزته لرسم اللوري كاملاً بشجرته  بعد أن إتخذ وضعية وبُعد مناسبين رغم هجير الشمس الذي لم يلقي له بالاً من فرط تناغم كل حواسه مع مرسمه الذي يتكون من كرتونة كان يتوسدها أحد عتالة سوق القرية في قيلولته ، ولم ينسى أن يرسم عليه ماركة اللوري التي كانت تنتمي لقبيلة ال AUSTIN ، ذات المقدمة البيضاء وكان يلقب في السودان ب (الأبيض ضميرك) ، في إقتباس من تلك الأغنية الشهيرة ، وكان له رواده ومعجبيه وكان يس من ضمنهم ، فقد كان جارهم ود البلولة يعمل سائقاً في أبيض ضميرك آخر ، تعود ملكيته لأحد مغتربي القرية  ، ومن فرط إعجابه به كان يس يقفز كل صباح من سرير نومه مباشرة ، ليجلس القرفصاء أعلى حائط سور الشارع ليمتع ناظريه بود البلولة يُسوّك أسنانه ، ويتفقد شاحنته في القِبَل الأربعة. ولا ينام يس إلا بعد سماع تلك النغمة الحبيبة إلى نفسه التي يصدرها ود البلولة من أبواق شاحنته عند عودته المسائية ، والتي كانت عبارة عن المقطوعة الموسيقية التي تلي قول المطرب ” من أرض المحنة ومن قلب الجزيرة…برسل للمسافر أشواقي الكتيرة” ، وكانت اللواري في ذلك العهد بمثابة فرق كرة القدم العالمية اليوم ، فقد كان أبيض ضميرك يقوم مقام ريال مدريد  ، ويمثل برشلونة اللوري السفنجة ذو المقدمة الزرقاء الداكنة والذي ينتمي إلى قبيلة ال BEDFORD وكان يمتع جمهوره بنغمات ماكينته الجاز المتناغمة مع بعضها البعض، وكانت هنالك فئة من شباب وأطفال القرية الذين يمثلون مثقفاتية المستقبل يلتفون حول اللوري التخشيبة ويتنادون في حبه وهيامه إذ أن إئتلاف خشبه وحديده في بوتقة واحدة تحمل رمزية ودلالات يحتفلون بها كثيراً في الجمع بين متناقضات وإستنباط معاني جديدة تتجاوز تلك المتناقضات،أما الداؤودي ذو المقدمة السوداء أقرب ليوفنتوس الإيطالي ، فعشاقه وجمهوره من أسرى الزمن الجميل وغناء الحقيبة ، ويحلفون بأغلظ الإيمان أن إصدارة من اللواري كهذه سوف لن يتمكن الخواجة من تصنيعها وإن تعلق بأستار الكعبة مختوناً.

وبناءاً على هذه التقسيمات فقد كان يس مدريدياً ، ورجع إلى منزلهم متأخراً ووجد والدته بت شيخ القرية تنتظره في أول الشارع قلقة وما إن رأته حتى عادت إلى المنزل تتأبط كرباجاً ، وبعد عقاب مبرح بدأت في إستجوابه بكل ما تسمح به اللغة من مفردات على شاكلة أين وكيف ومتى ولماذا ، وأُسقط في يدها عندما إكتحلت عيناها بكلمة أوعديني مكتوبة على شنطة إبنها البكر ، الذي تنتظره على أحرّ من الجمر ليكمل تعليمه ، على نسق متين يا علي تكبر تشيل حِملي ، وبدأت دورة جديدة من التحقيقات ، وإن إختلفت بعض الشيء فقد ورد ذكر عثمان حسين ، وسألته عن بنت جيرانهم مقصوفة الرقبة التي تصغر يس بسنة ولا تخفي إعجابها به ، وقد كانت إجابات يس قمة في البراءة ورد الأمر برمته لذلك اللوري القابع تحت تلك الشجرة فاتحاً غطاء ماكينته بغرض التبريد ، فأصطحبته والدته لأطراف القرية للتأكد من روايته والتي تمنت بينها وبين نفسها أن تكون صحيحة ، ولسوء حظ يس لم يجدوا في الشجرة غير تلك الغربان التي تنعق فيها بصورة موسمية ، وأظلمت الدنيا في وجه يس ولم يشفع له قسمه ولا حليفته بالله من العقوبة الفورية على طريقة شرطة المرور. وعادا إلى المنزل ووجد والده يحمل شنطته وفي إنتظارهم خارج المنزل ، ولم يكتفي بنصحه بالتركيز في دراسته، بل إصطحبه للمدرسة في صبيحة اليوم التالي وتكررت نفس مشاهد اللوم والتوبيخ و  ندم يس أشد الندم على فعلته تلك وقرر ألا يعاود ممارسة هوايته في الرسم أبد الدهر …..وعلى كده إنتهت الليلة (قصتنا).