وقِّفوا الآلات.. غنُّوا !

 جنوووون   نادر التوم

نادر التوم

(1)

الآلة التي لا تعمل تتعطل  (مثل ألماني)

أترى لهذا سموا منتخبهم لكرة القدم الماكينات الألمانية ؟.. أم لقوة صناعاتهم

المهم انه مثل نابع من الواقع و من الحقيقة

غنوا معااانا غنوة العيد و الفرح.. الليييلة يوم ميلاد فرحنا

تم تم تررر رررم

هكذا كان يدندن باستمرار و نحن في العمل، هم موظفون و انا عامل متعاون و طالب جامعي

لكن لان الناس في السودان لا يتمايزون باختلاف وظائفهم فقد شاركت بكل حرية :

وقِّفوا الآلات غنوا و لاَّ لا سيبوها تعزف نغمة الحرية تصداااح

– شنو ؟

انتهرني و كانني قد اتيت جرماً

– شنو! وقفوا؟؟

– آآآي

– وظِّفوا ياخ.. وقفوا كيف؟

– مرات موش الموسيقي بتقيف و الفنان بغني؟

– أها

– بس!!

– قلنا وظِّفوا الآلات غنوا

– أها الآلات دي بتشتغل؟ يوظفوها كيف

واصل غناءه الجميل و انهماكه و واصلت خجلي و كبريائي الزائف

زول اكبر مني يعني ح اكون أنا صاح ؟؟

(2)

بعد سنوات عنَّ لي أن كلامي هو الصحيح، و انني فعلاً برج الدلو، انظر لبعد خمسين سنة لما يراه امثال صديقي الموظف

يبدو انني كنت محقاً و لكن اين اجده الآن و هل يقتنع و لو (سراً) بانها (وقِّفوا) كما اقتنعت انا بانها وظِّفو ؟؟

(3)

في كتاب الامة رقم عن (الاعلام الاسلامي) يتحدث الدكتور حسن فضل المولى عن انتشار الاغاني

و يتحدث عن موجة عارمة تجتاح المجتمع المسلم من الغناء غثه و سمينه

و بعد سنوات من نشر المقال في الكتاب (صغير الحجم)، يتولَّى الجنرال امر قناة النيل الازرق

فيحولها إلى أهازيج و كرنفالات و احتفالات و مهرجانات من الاغاني

تماماً كما فعل (ايلا) بكل ولاية تولى ولايتها، و كانت الثقافة عنده (غُنا) والسياحة عنده (طرب)

و كان المغنون يغنون لايلا :

بالامس كانوا يغنون لايلا و اليوم يغنون للوطن

فلمن يغنون يا ترى غدا؟؟

و كان الطيب (الانفصالي) في تلفزيون السودان يوقف بعض الاغاني (الما اسلامية) لكن تزال مكتبة التلفزيون تحتفي بالمزيد

(4)

و بعد نجاح برنامج عمنا السر قدور متعه الله بالصحة و العافية الموسم الاول استمرت المواسم

ليبث البرنامج بعد الافطار و اثناء التراويح ثم يحول ليلا ثم يعود ثانية

و السهرة في المساء في رمضان غنا و يعاد (اغاني و اغاني) تاني

أما الاعياد فلقد اتعبوا حناجر ( بعض الفنانين) الذين يغنون هنا ( مباشر) عصراً و مباشر مساءً و لولا انهم لديهم سيارات (حقتهم) لما تمكّنوا من الوصول للتسجيل و المشاركة.

بعد نجاح اغاني واغاني تفشى الطرب و عم القرى و الحضر (عبر الباصات السفرية) و في الكافتريات و المقاهي و غيرها

كل التلفزيونات تعمل برامج غنا في رمضان وبعضها (في نفس الزمن)، و بعضها (بنفس الفنانين)

(5)

قبل ذلك كان هناك البرنامج الناجح (أصوات و أنامل) الذي يقدم المواهب في كافة الفنون

لكنه اخيراً اكتفي بالاصوات فقط.. ليكون هناك نجم موسم سنويا و بعد ان يتخرجون من نجوم الغد يذهبون لاغاني و اغاني..

(6)

العالم المحيط بنا كذلك لا يختلف كثيرا، فبرامج الاغاني و المسابقات تبذل فيها الجهود والاموال

و حتى الشيوخ الذين كانوا يفتون بحرمة الغناء صاروا يفتون بتحليله، و من داخل المسارح ومن امام المنصة لدرجة ادهشت الفنانين أنفسهم

و الابناء و البنات يشاركون في برامج الغناء واسرهم تصحبهم

و كان لنا شرف المشاركة ضمن ( بقية العالم) لان فوزنا في مسابقة عربية هو من رابع المستحيلات

فشاركنا و غنينا و رقصنا و فرحنا

(7)

على مستوى الاطفال، الفرق الغنائية انحسرت، لكن غالبية الاطفال يُغنون في المدارس او المسابقات او التلفزيونات

و يحفظون اغاني الكبار بل (اتطوروا) و صاروا يغنون بالانجليزي كلمات اكبر منهم يحفظونها و لا يدرون معانيها و يتمايلون طرباً معها (من الشمال لليمين).

(8)

و تحتفي الساحات بالمواهب الجديدة ايما احتفاء، وتكرمهم و تقدم لهم الجوائز والنصح والتدريب

بل تفتح لهم (القنوات) والمنافذ التي يعبرون عبرها بغنائهم

و الغناء صار هوساً، كل من يريد ان يغني يغني، لا لجان لا اجازة لا نصوص لا كلمة لا لحن لا صوت ولا يحزنون (غُنا بس)

و حتى الذين بدأوا مشوارهم بمدح النبي صلى الله عليه و سلم تحولوا للغناء بسبب المال، بل المادحون صاروا يوظفوا الآلات و يمدحوا لانه اكثر طلبا و (مالاً).

(9)

الدنيا عبارة عن (طربانة) و غناء، صواريخ تحطم بلدان جارة و اناس يرقصون، اطفال يموتون و الغناء مستمر ( في كل الظروف)، و كأنه قد حلف ان يستمر في كل الظروف، و ان ادى هذا للمجازفة بحياة الناس، رؤساء عرب يعدمون و قنوات تقدم فتيات يتراقصن و يغنين، ثورات  هنا وهناك و غنا هنا وهناك!

(ثروات) هنا و هناك.. و غُنا (في اي مكان و زمان)

 (10)

و النتيجة ؟!.. كل البرامج صارت باهتة: اما اخبار كلها دماء و قتل و احزان.. او غناء صاخب اشكالاً و ألوان

وكل الدول العربية و الاسلامية صارت مستهِلكة.. للغذاء و النفط و غيره، اما الانتاج فقد توقف تماماً، و تفرغ الناس للغناء لدرجة لا يجد المزارعون من يحصد لهم في زرعهم

لا زراعة لا تعليم، ساهم في ذلك التقنية و التطور، لتجد كل شاب و شابة يضع سماعته في اذنيه و يغني مع من يغني و يغني لليلاه!

الانتاج فقط صار في الغناء (انتاج مهول) لكنه مثل الانتاج الصيني (درجة خامسة) (مو نافع)

بينما الارض البور البلقع تنادي بمن يفلحها و يزرعها و يحصدها، حتى الكيزان الذين (غشونا) باسم الدين قلبوها غُنا.. مرة جهادي و مرة حماسي و رئيسهم يرقص في المنصات حتى عرف عند الناس رقاصاً، و يهتم باصطحاب الغناي اكثر من الخطاب الذي يلقيه فيرتجل الخطاب (و يتمها عرضة) و…. النار ولَّعت!

(11)

حسناً هل نحن متطرفون و ندعو لترك الغناء و محاسبة كل من تسوّل له نفسه ان يغني ؟!..

كلا!

 نذكركم فقط بـ(رقصة الحصاد)، تلك الرقصة التي خلُدت في اذهاننا، من فيلم هندي يغنون، ويرقص طفل جميل رقصات جميلة، لكنها رقصة حصاد و ليس رقصة (عطالة).

غنوا و انتجوا، و الغناء (الجميل) اثناء ساعات العمل يحفز الدماغ، و ينشط القلب و يحرك الوجدان، و ينشط سوائل و هرمونات السعادة لاكمال العمل بمزاج!

غنوا و لكن (ما طوالي كدا) و (ما للدرجة دي)..!!

عبقرية: اتمنى ان اشاهد عبقرية معد ومقدم برنامج يستضيف مجموعة من الغنايين يتحدَّثون و ينظِّرون، و معهم واحد كلاَّم يغني!

بدلا من: نق نق نق، نسمع شنو؟؟

الخلاصة: آلات العمل و الانتاج توقَّفت.. فتعطَّل الانتاج! وظِّفوا الآلات أزرعوا شان نعبر!

مع تحايا للفنان القامة ابو عركي البخيت و أمنياتي له و لاهله و اسرته بموفور الصحة و العافية.

اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و آله !

ودعناكم الله