رقصات إيقاعية

م خالد علي

همس منسق حفل الزفاف في أذن العريس بكري منبهاً إياه أن وقت الإنسحاب قد حان للتجهيز لفقرة الجرتق الأخيرة وتغيرت ملامح بكري تبرُماً وذادت نبضات قلبه خوفاً، فقد إعترض بشدة من قبل على ذلك ووصفه بأنه ضرباً من ضروب المستحيل أن ترقص عروسه أمام الملأ، ولكن إصرار العروس وأمها من خلف الكواليس جعلا من بعض المستحيل ممكنا، وتم تطمينه بجملة الخطوات الإحترازية التي سوف يتم إتخاذها لضمان عدم تسرب أي وثيقة تصويرية إلى الفضاء الخارجي، وأنه سوف يكون الرجل الوحيد في هذا البرنامج، وهذه كانت بمثابة ثالثة الأثافي، فكيف له أن يتعايش مع نظرات ألاف العيون الفاحصة والتي تبحث كلها عن موضع الخلل فيه، وسط تبادل معلومات إستخباراتية عن تأريخه وأسرته، تتخللها قهقهات وضربٍ على الأكتاف وإتهام كل منهن الأخرى بالمبالغة بنبرات طابعها هل من مزيد….

طال إنتظار بكري في الممر المتاخم للغرفة الملحقة بالصالة التي يتم تجهيز العروس فيها، وكان يسلي نفسه ويملأه الحبور بما حققه من نجاحات بإسترجاع شريط ذكرياته بعد تخرجه في كلية الزراعة ، وكيف أنه فشل في كل الأبواب التي طرقها لإيجاد فرصة عمل في تخصصه وفي غيره، وإضطر لأن يمتهن بعض الأعمال الهامشية لتقضية وقته وتوفير جزء من منصرفاته وأهل بيته، وكان ذهنه طوال تلك الفترة مشغولاً بكيفية تشكيل مستقبله، هل يُيَمِم وجهه شطر الخليج أم يمتشق سلاح الدراسات العليا ، أيواصل بحثه عن الوظيفة أم يقتحم عالم الأعمال التجارية. معظم الخيارات التي أمامه تحتاج إلى رأس مال وأنى له هذا وقد توفى عنهم والدهم، ولم يترك لهم سوى قطعة أرض زراعية بمساحة 10 أفدنة كان قد ورثها عن جدهم، وهكذا فإن الأرض تَرِثُ مُلاكها جيلاً بعد جيل والعكس في هذه الحالة ليس بالأمر الصحيح، وذات ليلة وبعد أن صلى العشاء وفرغ من أوراده برقت له فكرة بأن يستصلح تلك الأرض البور عبر تمويل بنكي وقد إستوحى ذلك المنحى من أحد الإعلانات التلفزيونية، وذهب أكثر من ذلك وحفظاً للحقوق فكّر في أن يؤسس فيما بعد شركة زراعية له ولإخوته وأمه على أن تتوزع أسهمهم حسب أنصبتهم في التركة فالبدايات الصحيحة تمثل مفتاح النجاح وضمان البركة والإستمرارية، وإنغمس في بحر أحلامه وإكتشف أن مخاطر الإنتاج الزراعي تكمن في التسويق، وخنقته العبرة عندما لاحظ ولأول مرة في حياته أننا كدولة نصدر منتجاتنا كمواد خام من قطن وسمسم وصمغ عربي وجلود ونستوردها كمواد مُصنعة كملبوسات ومواد غذائية وأدوية ومستحضرات تجميل وأحذية ، ويسترد الأجنبي ما دفعه لنا في المواد الخام زائداً القيمة المضافة لتكلفة التصنيع وأرباحه وضرائب بلده. لذلك صمم بكري إن نجح في إنتاج المحاصيل فعليه بالتوسع وتنويع الإستثمار في التصنيع الزراعي والتعليب.

لم يقطع عليه شريط ذكرياته ذاك سوى صوت أحد صويحبات العروس ، والتي قامت هي وعشرة من زميلاتها بتصفيف شعورهن مع تجلية الوجوه على حسابه في الكوافير الذي بلغ سبعة و ثلاثون ألفاً ونصف من الجنيهات ، ولكن إنتاج مزرعتهم هذه السنة كان وفيراً وقد خصص أفراد أسرته عائده حافزاً لبكري على نجاحاته في الإرتقاء بمستوي الأسرة وعوناً له في إتمام مراسم زواجه فخطة بكري بعد الزواج أن يستثمر الفائض من عائد الزراعة في التجارة ولكنه يخشى تقلبات سياسات الحكومة الإقتصادية فيتوجب عليه أخذ الحيطة والحذر ودراسة الأمر بعناية لتقليل المخاطر.

فالعروس قد تم تجهيزها وعليه أن يتفضل لمصاحبتها داخل الصالة، ودلفا إلي الساحة المخصصة لهم وسط إيقاعات الدلوكة الصاخبة وأغاني السيرة التي لها مفعول السحر في جباية المال بسخاء من أصحابه، وبدا بكري مضطرباً بعض الشيء ووجد السلوى في رفقة منديله الذي لم يبارح جبينه جيئة وذهابا، وبدأت فقرة رقيص العروس وحاول العريس أن يشغل نفسه بأن يفكر ويدرس لما يتوجب عليه فعله بعد الزواج في خطته التجارية، ولاحظ بكري من طرفٍ خفي لغة العيون المتبادلة بين أعضاء فرقة الدلوكة والعروس، وإنتبه لقصر زمن الأغاني والتناغم ما بين التغيير السريع في الإيقاعات ومهارة العروس في تغيير رقصتها تبعاً لذلك، وتبسم ضاحكاً من المشهد الموحي الذي أمامه، فتوصل لنتيجة باهرة في منتصف تلك الأجواء الطروبة لكيفية التعامل مع عدم إستقرار الرؤية الإقتصادية وقرر أن يُغير رقصته التجارية بنفس الكيفية والسرعة كلما غيرت الحكومة إيقاعات سياساتها مع المراقبة اللصيقة لحركة ولغة (عيون) السوق، تيمناً بما تفعله عروسته أمام ناظريه، فمصائب قومٍ عند نفس القوم فوائد.

بقلم: م. خالد علي