عيد المساجين..يوم للبكاء وتبادل دعوة “القابلة ما معانا”

ما أن يُذكر اسم العيد إلا وترادفه مشاعر الفرح والإلفة والأجواء الأسرية المفعمة بالتجديد، لكن حينما تُنطق ذات كلمة العيد داخل الزنازين والأسوار العالية المُحكمة، فإنها ترتبط بدموع الحزن والحسرة، والندم على التفريط في حرية قضاء العيد مع الأسر، نزلاء السجون شريحة من المجتمع، العيد بعيونهم له طعم مختلف، هم لا يسمونه عيد، فبالنسبة لهم، عيدهم يوم خروجهم من تلك الأسوار.

السجن الأسود
أحد النزلاء، محكوم عليه بالسجن ١٢ عاماً قضى منها خمسة، روى بحزن عميق حكايته مع الأعياد التي قضاها ما بين سجن أم درمان وسجن كوبر أو (السجن الأسود) كما يحلو للسجناء تسميته قال إنه كان يحب الاجتماعيات والتواصل مع الأهل والمعارف ويستمتع بصلة الرحم في السرّاء والضرّاء، ومن هنا كان يعشق الأعياد، خاصة حين الهجرة إلى الارياف لقضاء عطلة العيد، يروي هذا السجين، أن أول عيد له بالسجن كان عيد فطر بسجن أم درمان الخاص بالمنتظرين في قسم الشيكات في العام ٢٠١٥، مُقراً بأنه أشد الأعياد قساوة عليه.

الأحياء الأموات
أشرقت عليه شمس عيد الفطر المعني، وكان يقبع بإحدى الغرف وهو في حالة نفسية سيئة، لافتقاده والديه، إخوته، زوجته وابنه الوحيد. افتقد التجمّعات مع الأصدقاء، وأصيب بحالة من الاستياء، قرّر مع نفسه ألا يحتفل بأي مظهر من المظاهر التي فعلها النزلاء، لم يذهب لصلاة العيد بالمسجد الخاص للقسم ولم يهنئ أحداً، لم يستخدم هاتفه الذي يخبِّئه من إدارة السجن في المعايدة على أحد، حتى أهله لم يحادثهم..كل ذلك فعله لقناعة ترسّخت بعقله وقلبه حينها وهي أنه هنا في عداد (الأحياء الأموات) وأن يوم عيده هو يوم خروجه من السجن، بعد ذلك حُكم عليه بالسجن ١٢ عاماً وتمت إحالته إلى سجن كوبر ومرّت عليه ١٠ أعياد تمسّك فيها بنظريته “لا للاحتفال”.

النوم صباحاً
وبذات الإحساس المُر، حكا نزيل قضى أربعة أعوام بالسجن، مرّت عليه خلالها ثمانية أعياد، حكا أن إحساسه تجاه السجن، أشبه بإحساسه تجاه أفلام الرعب، ذاكراً أنه كان يقضي الليلة التي تسبق العيد مستيقظاً لينام صبيحة العيد.
وقال عن ذلك: ما كنت بعيّد.. بساهر يوم الوقفة عشان أنوم الصباح، وما أحس بيوم العيد وما بتحرك من سريري.
لم يؤدِّ صلاة العيد ولم يهنئ أحداً، ولا يستطع الاتصال بأسرته لعلمه بحزنهم عليه بحكم أنه الإبن الوحيد لهم، قال إنه يشعر بنار الظلم تكوي جسده يوم العيد.
عبّر بقوله (ممكون وما قادر اتصرف)، يلازمه الحزن كل أيّام العيد، حزين لا يعرف ليله من نهاره، وأكثر ما يؤلمه زيارة المعارف لأنها تكون من خلف حاجز حديدي، أما زيارة الأهل المقربين فتكون المقابل فيها مباشرة لكنها أكثر لمساً لمناطق الحزن.

“القابلة ما معانا”
وبجانب هذه النماذج، تتواجد فئة أخرى من النزلاء، تأقلمت على معيشة السجن وتبدأ استعداداتها للعيد، بجمع مبالغ مالية، وطلي الجدران، وترتيب المكان، وفي يوم العيد يرتدون الزي السوداني، “جلابية وعمّة وشال”، ويمارسون طقوس العيد كأنهم ليسو بالسجن، ويؤدون الصلاة ويسبقونها بالتكبيرات والتهليلات، ويهنئون بعضهم البعض ويقدمون الحلوى للمعايدة ويسمح لهم بمعايدة الأقسام الأخرى، وفي عيد الأضحى تقوم إدارة السجن بذبح ثور وتقديم اللحوم للنزلاء ليتشاركوا في تجهيزه، كما تقوم أسرهم بزيارتهم، وبالرغم من ذلك تصبح عبارة (القابلة ما معانا) هي المعايدة الوحيدة التي يتمنونها لبعضهم.


خبرك: مسرّة شبيلي