تخاطر في خبرك

خالد علي

هي وحدها جغرافيا المكان التي أرغمتني على تحمل صديقي الذي يقاسمني السكن والروح، كان يمتلك كل ما هو جاذب لمصادقته ولكنه كان جداً ماهر في الكشف عما يدور بخلدي وما يتبادر لذهني ويذهب أكثر من ذلك ويفصح لجلسائنا عما أنتوي فعله بل ويسرد الحيثيات التي قد إرتكزت عليها متطابقة تماماً مع واقع أفكاري التي لم أبح بها لأي كائن من كان، يفعل كل ذلك دون أن يرمش له جفن. بلغة اليوم يمكن أن نصف تلك الحالة بأن له نقطة إتصال مباشرة مع ذهني ، الشيء الذي أقلق مضاجعي وجعلني أفكر في الأمر ملياً ، فقد أصبحت كتاباً مفتوحاً لكل من حولي بفضل (واي فاي) هذا الصديق وتداعياته، ولم أعد تلك الشخصية المثيرة بسبب تلاشي الجانب الغامض فيني. وأضحيت أسعى بين الناس دون طعمٍ أو لونٍ أو رائحة أو هكذا كان يخيل لي.

ذات ليلة وأنا أعيد تقييمي توقفت عند تلك المعضلة وطفقت أبحث عن تفسير لتلك الظاهرة ووجدتها تحت مسمى التخاطر ، الشيء الذي دفعني لتوثيق علاقتي مع صديقي بصورة أعمق مما كانت عليه بسبب إكتشافي للمعطيات التي تجمع بيننا . وبدأت أتمعن وأسترجع كل الأحداث التي سمعت بها و مرت علي في حياتي ووجدت الكثير المثير، ففي قصة يا سارية الجبل التي أطلقها سيدنا عمر بن الخطاب من على منبره في المدينة المنورة وأدركها قائد جيوشه على أرض المعركة تمثل أعظم دليل على ذلك التوافق الذهني في أبهى صوره عندما تخلص النوايا. وفي المجال الثقافي وجدت تخاطراً عجيباً بين الشاعرين التجاني يوسف بشير وأبوالقاسم الشابي في إنتاجهم الأدبي لدرجة أن يلتبس علي الأمر حين أمتع نفسي بقصيدة لأي منهما. فتخاطر الشاعران حتى في الموت وكلنا يعلم أنهما لم يعمرا كثيراً فقد أسلما الروح لبارئها وهما في ريعان شبابهما وفي نفس العمر تقريباً. وعندما يكون التخاطر سيد الموقف في جلسات الجنس اللطيف تجدهن يتسابقن في لهفة لضرب أقرب خشبة وسط فرحة غامرة تعقبها قهقهات طروبة لعل وعسى أن يتحقق ليعقوب ما بنفسه. وتخاطرت معي إذاعة أمدرمان حينما بثت أغنية بصوت محمد ميرغني فتوقفت عند قول شاعرها :

( عشان خاطرنا
خلي عيونك
عيونك الحلوات
تخاطرنا)

وبحكم مريخيتي كنت أطرب كثيراً للتخاطر الذهني للاعب المرحوم سامي عزالدين وهو يضع تمريرته في المكان والزمان اللذان فكّر فيهما زميله اللاعب الآخر، وذات الشيء كان يجيده ڤالديراما كابتن كولمبيا التي أشجعها في نهايات القرن الماضي، إذ رصدته إحصائيات إحدى فعاليات كأس العالم بأنه لم يخطئ، بسبب تخاطره مع زملائه، قط في أي من تمريراته طوال مبارياته كلها.

في الآونة الأخيرة ظهر التخاطر الإسفيري ، فيحدث أن يعلق صديقك ذات التعليق الذي إنتويته وبنص الكلمات التي أردتها، وتلك الحالة قد عبر عنها الشاعر المفوه عاطف خيري في رائعته شهيق حين قال :
(وبرضو التوارد
في الخواطر
ونفس أرقام التذاكر
البيها سافرنا وشهدنا
إنفجارك في الأرض
يا سمرة يا واضحة
ما غنيت يوم جيتك صدفة)

ففي كثير مما نعتقد أنه بمحض الصدفة، نجد أنه كان نتاجاً طبيعياً لتلك الظاهرة، ظاهرة التخاطر والتي تنتمي على حد علمي لما يسمى بالحاسة السادسة والتي تعتبر منحة ربانية يهبها لمن يشاء، فنسأل الله تعالى أن نتخاطر في خبرك فيما يحب ويرضي.

تخاطر| م. خالد علي